ذكرى معركة رمادة : ملحمة جسدت إرادة الحياة في وجه المستعمر الغاشم
تحي تونس اليوم ذكرى معركة رمادة وهي من المحطات التاريخية المهمة في ذاكرة التونسيين. فهذه المواجهة العسكرية الدامية كانت بمثابة ملحمة استبسل فيها المقاومون واظهروا شجاعة نادرة وهم يواجهون الة القمع الاستعمارية بكل جبروتها.
ففي اقصى الجنوب دارت هذه المعركة التي وضعت بلادنا من خلالها في امتحان السيادة الوطنية بعد سنتين فقط من اعلان الاستقلال سنة 1956 . ولذلك تركت اثرا عميقا في الوجدان التونسي.
فقد كانت القوات الفرنسية عام 1958
ماتزال متمركزة في عدة مناطق، وكان الجنوب التونسي يعيش على وقع التوتر بسبب دعم تونس للمقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي. وفي ذلك السياق الملتهب، تحولت رمادة إلى عنوان لمواجهة مفتوحة بين إرادة وطنية ناشئة وقوة استعمارية ترفض خسارة نفوذها في المنطقة.
لم تكن البلاد قد تحررت بالكامل من النفوذ العسكري الفرنسي في تلك الفترة.
ولعل ملحمة رمادة التي نحي اليوم ذكراها لا تقل أهمية عن معركة بنزرت كما قال الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة.
وهو الذي اعتبرها جزء اصيلا من معركة الجلاء التي خاضها التونسيون لاستكمال سيادتهم الوطنية ودارت رحاها في ثغر بنزرت.
والأكيد ان معركة رمادة ومعركة الجلاء كلها عناوين دالة على ان سيادة الشعوب تفتك بارادتها وقدرتها على المقاومة والصمود ولا تكتمل بتوقيع الوثائق فقط.
اما بالنسبة الى تفاصيل معركة رمادة فهي كالآتي إذ في مساء 24 ماي 1958، قررت القوات الفرنسية المتمركزة في ثكنة رمادة خرق الاتفاقات المبرمة مع الدولة التونسية، وتحرك رتل عسكري فرنسي في محاولة لاجتياز السد العسكري الذي كانت تحرسه قوات تونسية بقيادة المقاوم الشهيد مصباح الجربوع. هناك اندلعت الشرارة الأولى للمعركة، عندما تصدت القوات التونسية للرتل الفرنسي، ليتحول التوتر إلى مواجهة مسلحة حقيقية.
وتواصلت الاشتباكات في وادي “دكوك” ثم قرب الثكنة العسكرية الفرنسية، حيث نجح المقاومون والجنود التونسيون في محاصرة القوات الفرنسية وإرباكها بشكل كبير. وتشير شهادات تاريخية إلى أن قائد الثكنة الفرنسية أطلق نداء استغاثة عاجلًا بعدما وجد جنوده على وشك الوقوع في الأسر، في مشهد يكشف حجم المقاومة التي واجهتها القوات الاستعمارية رغم الفارق الكبير في العتاد والعدة.
لكن فرنسا، التي لم تكن مستعدة لقبول الهزيمة، لجأت إلى الطيران الحربي القادم من الجزائر التي كانت ترزح بدورها تحت الاحتلال الفرنسي. وسرعان ما تحولت سماء رمادة إلى جحيم من القصف، فسقط شهداء من المقاومين والجنود والمدنيين، واختلطت دماء أبناء الجنوب برمال الصحراء التي أصبحت شاهدًا على واحدة من أشرس معارك استكمال التحرير الوطني.
ومن بين الأسماء التي خلدتها هذه المعركة، يبرز اسم الشهيد مصباح الجربوع، ابن بني خداش، الذي قاد المواجهة بشجاعة نادرة. وقد بقيت قصته رمزًا للتضحية والفداء، خاصة بعد أن تأخر العثور على جثمانه لأسابيع عقب المعركة، في صورة تختزل قسوة المواجهة وحجم التضحيات التي قُدمت دفاعًا عن الأرض والسيادة.
ولا حقا أصبح رمزًا لجيل كامل من التونسيين الذين آمنوا بأن الاستقلال لا معنى له إذا بقيت القوات الأجنبية تتحكم في أرض الوطن..
كما تكمن أهمية معركة رمادة في كونها كشفت استعداد الدولة التونسية الفتية آنذاك لدفع ثمن مواقفها القومية، خاصة دعمها للثورة الجزائرية.
وبهذا المعنى يمكن القول إن معركة رمادة جسدت أيضا وحدة المصير المغاربي. فالقصف الذي انطلق من الجزائر المحتلة آنذاك، والدعم الذي قدمه التونسيون للمقاومة الجزائرية، أكدا أن معارك التحرر في المنطقة لم تكن منفصلة، بل كانت معركة واحدة ضد الاستعمار..
اليوم، وبعد مرور عقود طويلة على تلك الأحداث، تبقى ملحمة رمادة درسًا في الوطنية والكرامة. ففي سياق تتكثف فيه أشكال الهيمنة والضغوط، تظل هذه المعركة تذكيرًا بأن السيادة ليست شعارًا يُرفع، بل مسؤولية تُحمى بالتضحيات..
في ذكرى مولده : شارل ازنافور صوتٌ عبر الزمن وغنّى لتونس من على ركح قرطاج
في مثل هذا اليوم 22 ماي ولد شارل ازنافور عام 1924 في باريس لعائلة أرمنية هاجرت إلى …








