تنطلق بداية من يوم غد الأربعاء 3 جوان 2026 وإلى غاية العاشر منه، الاختبارات الكتابية للدورة الرئيسية لامتحان الباكالوريا لهذا العام وسط جملة من التحديات، لعلّ أبرزها الجاهزية والنجاح في محاربة الغش وفق وزارة التربية، والأهم في تقديرنا تثمين هذا الوعي المجتمعي بقيمة هذا الاستحقاق الوطني وهو وعي متأصّل في التونسيين وفي العائلات التونسية التي تعدّل عقارب ساعاتها كل عام على مواعيد امتحانات آخر السنة الدراسية وعلى رأسها الباكالوريا بطبيعة الحال.

إن الحديث عن الجاهزية في الدولة الوطنية بعد عقود من الاستقلال يتجاوز الاستعدادات المادية واللوجستية العادية، فتنظيم الباكالوريا وطباعة أوراق الامتحان وتأمين المؤسسات التربوية التي تستقبل المترشحين وترتيب حضور الأساتذة وتوزيعهم على القاعات للمراقبة أو بعد ذلك للإصلاح وغيره، جميعها مسائل كلاسيكية معهودة ولم يعد ثمة مجال للتقصير فيها.

كذلك الأمر بالنسبة إلى ارتفاع عدد المترشحين هذا العام مثلا بحوالي عشرة آلاف مقارنة بالسنة الماضية ليصل الى 162 ألف و435 مترشح، فهو أمر محمود يبرهن على الاهتمام ببلوغ هذه المرحلة من التعلّم ويطمئن من الناحية الديمغرافية لأن الرهان دائما على الناشئة ومجابهة التهرم السكاني.

وكالعادة تستأثر شعبة الاقتصاد والتصرف بنصيب الأسد من المترشحين، إلى جانب شعب العلوم التجريبية والآداب والعلوم التقنية وعلوم الإعلامية والرياضيات والرياضة وهذه مسألة تحتاج إلى النظر.

وبالعودة الى القيمة الاعتبارية للباكالوريا في بلادنا، وعلى غرار السنوات السابقة، يوجد هذا العام ايضا مترشح يبلغ من العمر 75 سنة وقد نكتشف كهولا وشيوخا في قاعات الاختبار وثمّة أحيانا حضور طريف للإبن وأبيه أو أمه في نفس الاطار ونفس الهدف وهو «اقتلاع» شهادة الباكالوريا..

لوجستيا إذن، يجب مشاركة وزير التربية نبرة التفاؤل بأن دورة الباكالوريا لهذا العام ستكون ناجحة على غرار الدورات السابقة بفضل تضافر جهود مختلف الوزارات والهياكل المتدخلة والاتفاق معه على أن تنظيم الامتحانات الوطنية يمثل محطة مهمة بالنظر إلى ارتباطها بقيمة العلم والتحصيل المعرفي في المجتمع التونسي، وفي إطار شراكة مع عدد من الوزارات من بينها وزارات تكنولوجيات الاتصال والصحة والداخلية والدفاع.

كلام جميل، وقد أثبتت السنوات الماضية سلامته وواقعيته لكن الوقت حان للحديث عن النتائج وعن التكوين وعن هذه الشهادة الوطنية التي كانت محل تقدير العالم وكانت تأشيرة عبور آلاف من تلاميذنا لمواصلة الدراسة بالخارج الى جانب التألق في الجامعة التونسية في الداخل.

إن الباكالوريا على المستوى الفردي، هي تتويج لمرحلة عمرية حساسة ودقيقة فهي لا تؤشر لنجاح تربوي متعلق بالتمدرس وتملّك القراءة والكتابة والحفظ فقط ولكن يجب أن تكون مرحلة أساسية في تكوين المواطن التونسي وهذا مرتبط بطبيعة الحال بالتكوين وأهدافه وطرقه وهي المسائل التي نتحدث فيها ايضا كل عام ونربطها بالاصلاح التربوي الذي طال انتظاره.

أما على مستوى المجتمع، فلم يعد مقبولا تكرار مقولة أن التعليم هو المصعد الاجتماعي في تونس، فهذا وعي مجتمعي ثابت ومتجذر لا يختلف حوله عاقلان وليس مصادفة كل عام أن يعدّل عموم التونسيين عقارب ساعاتهم على الباكالوريا بالأساس وغيرها من الامتحانات لذلك يجب التفكير، بل الشروع في اصلاح هذا المصعد الاجتماعي.

إن النجاح الذي تحدّث عنه الوزير ، هو نجاح التلميذ، نجاح ابن تونس أولا، والذي يجب أن تفتح له الباكالوريا أبوابا جديدة للمستقبل.

‫شاهد أيضًا‬

الاستثمار في السّلام..

أحيت بلادنا أمس الجمعة 29 ماي 2026 اليوم الدولي لحفظة السلام الذي أقرّته الجمعية العامة لل…