2026-06-06

قراءة سوسيولوجية في تنامي ظاهرة الغش في البكالوريا : حين يفقد الاستحقاق معناه …

هل تحولت شهادة البكالوريا الى غاية في حد ذاتها نتوسل اليها بكل الوسائل مهما كانت ؟ والى مدى فقد الاستحقاق معناه ؟ أليس ما نعيشه من تنامي ظاهرة الغش في هذا الامتحان الوطني الكبير هو أزمة معايير قبل ان تكون ازمة امتحانات؟
هذه الأسئلة وغيرها باتت صداعا يؤرقنا في كل سنة مع انطلاق امتحانات البكالوريا في بلادنا اذ يعود الجدل حول الغش بوصفه ظاهرة تتجاوز حدود المدرسة والامتحان. وتتكرر المشاهد ذاتها: وسائل تكنولوجية متطورة، تسريبات رقمية، ومحاولات فردية وجماعية لاختراق منظومة التقويم وعقوبات صارمة لمرتكبي الغش.
غير أن اختزال هذه الظاهرة في بعدها الإجرائي أو الأمني يحجب حقيقتها الأعمق: إنها ليست خللًا في الامتحان بقدر ما هي عرض لاختلال أوسع في منظومة القيم والمعايير الاجتماعية.
إذن يمكن فهم ظاهرة الغش هنا باعتبارها علامة على تحوّل في معنى “الاستحقاق”. ففي التصور الكلاسيكي الذي بلورته المدرسة الحديثة، وخاصة في فكر ايميل ديركايم يمثل الامتحان آلية لتكريس التضامن الاجتماعي عبر الاعتراف بالكفاءة والجهد. غير أن هذا التصور يفترض وجود إجماع ضمني على قيمة العمل والمعرفة. حين يضعف هذا الإجماع، تصبح الشهادة وثيقة شكلية أكثر منها تعبيرًا عن مسار تعليمي فعلي، ويتحول الامتحان إلى ساحة صراع بين منطقين: منطق الاستحقاق، ومنطق التحايل.
من هذا المنظور، لا يبدو الغش سلوكًا فرديًا معزولًا، بل نتيجة لما يمكن تسميته “تآكل المعايير”. فالمجتمع الذي يعيد إنتاج النجاح خارج إطار الجهد سواء عبر الوساطة أو الريع أو الامتيازات غير المتكافئة يرسل رسائل ضمنية مفادها أن الطريق ليست دائمًا مستقيمًة ، وأن القواعد يمكن الالتفاف عليها. وهنا تتقاطع الظاهرة مع تحليل بيار بورديو لفكرة “إعادة إنتاج التفاوت”: فحين يفقد التعليم قدرته على ضمان الحركية الاجتماعية العادلة، تتراجع شرعية المدرسة بوصفها مؤسسة للفرص المتكافئة”.
في هذا السياق، يصبح الغش امتدادًا رمزيًا لمنطق اجتماعي أوسع، لا مجرد خرق للقانون. إنه تعبير عن أزمة ثقة في العلاقة بين الجهد والنتيجة، بين المعرفة والمكانة الاجتماعية. فالتلميذ لا يغش فقط لأنه يريد النجاح، بل لأنه قد لا يثق في أن النجاح وحده كافٍ لتحقيق الاعتراف الاجتماعي. .
أما اذا اردنا ان نمضي ابعد من هذا الى مستويات أكثر عمقًا، فإننا نقول ان ما نعيشه يمكن استقراؤه على ضوء ما عبرت عنه حنة أرندت من هشاشة المجال العام حين يفقد معيار الحقيقة سلطته الرمزية. فحين تتراجع قيمة الصدق كمرجعية جماعية، يصبح الكذب بدرجاته المختلفة أقل كلفة أخلاقية. ويكون الغش في هذه الحالة ليس فقط خرقًا لقواعد الامتحان، بل هو مؤشر على ارتباك في مفهوم الحقيقة ذاته داخل الفضاء الاجتماعي
وهو ما يتجلى في واقعنا اليوم في بلد راهن مبكرا على التعليم على أساس انه مصعد اجتماعي وعلى المدرسة باعتباره ضامنة للتكافؤ لكن التحولات العميقة التي عصفت به على امتداد عقود غيرت كل هذه القيم. .
ولا يمكن إغفال البعد التكنولوجي هنا ، لكن ليس باعتباره سببًا بل كعامل تسريع. فالأدوات الرقمية لم تخلق الغش، لكنها أعادت تشكيل شروطه، وجعلته أكثر قابلية للتنظيم والانتشار. غير أن التركيز على التكنولوجيا وحدها يؤدي إلى إغفال الجذر الحقيقي: أزمة التربية على القيمة، لا أزمة الوسيلة.
إن أخطر ما تكشفه هذه الظاهرة ليس فقط المساس بمصداقية الامتحانات، بل اهتزاز الفكرة نفسها التي تقوم عليها المدرسة الحديثة: أن الجهد يمكن أن يُترجم إلى اعتراف اجتماعي عادل. حين يتراجع هذا الإيمان، يصبح الغش عرضًا لمرض أعمق: تآكل الرابط الأخلاقي الذي يربط الفرد بالمجتمع عبر فكرة الاستحقاق.
من هنا، فإن مواجهة الغش لا يمكن أن تختزل في الإجراءات الردعية أو التشديد الرقابي، رغم ضرورتها. بل تتطلب إعادة بناء رمزية للمدرسة باعتبارها فضاء للعدالة المعرفية، وإعادة ترسيخ قيمة الجهد بوصفه الطريق الشرعي الوحيد للترقي الاجتماعي. إنها معركة بطيئة، ثقافية قبل أن تكون إدارية، تتعلق بإعادة الاعتبار لفكرة بسيطة لكنها جوهرية: أن المعرفة ليست وسيلة للنجاح فقط، بل أساس للمعنى في الحياة الاجتماعية.
وهكذا، يصبح الغش في ه مرآة تعكس توترًا عميقًا في المجتمع بين ما يُقال عن القيم وما يُمارس فعليًا. وكلما اتسعت هذه الفجوة، أصبح الامتحان مجرد لحظة تكشف ما هو أعمق من نتائجه: أزمة في تصورنا الجماعي لمعنى الاستحقاق ذاته.

‫شاهد أيضًا‬

رحيل اخر حكماء القرن ادغار موران : ذاك الذي علمنا كيف نعيش في عصر اللايقين

برحيل المفكر وعالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران عن عمر ناهز 104 أعوام، لا يطوي ا…