عاد الحديث بقوة هذه الأيام عن الصلح الجزائي مع تواتر أخبار إطلاق سراح بعض رجال الأعمال ومثول البعض الآخر أمام القضاء، علاوة على صدور أمر رئاسي في العدد الأخير من الرائد الرسمي يقضي بتعيين رئيس جديد للجنة الوطنية للصلح الجزائي، وفي غضون ذلك كله، لا يزال عدد من رجال الأعمال خارج البلاد فيما يتردّد كثيرون بشأن الاستثمار والحال أن تونس بحاجة إلى جميع أبنائها ولكل مليم يساعد في الخروج من عنق الزجاجة كما يقال.
ويأتي لقاء رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد أول أمس بقصر قرطاج بعلي عبّاس الذي تم تعيينه رئيسا للجنة الوطنيّة للصّلح الجزائيّ في الوقت المناسب في تقديرنا لأكثر من اعتبار، حيث بالإضافة إلى عامل الوقت الذي يضغط بشكل كبير، هي افرصةب تتاح اليوم من جديد سواء لمن تورّطوا في الداخل أو في الخارج على حد سواء لإبرام صلح جزائي ايقوم على إعادة كل مليم نهب من الشعب إلى الشعبب مع التأكيد على أنّ االأمر لا يتعلق بمحكمة لتصفية الحسابات مع أي شخصب.
وليس ذلك فحسب، فقد شدّد رئيس الجمهورية على أنه منذ الآن لا مجال للمساومات ويجب أن يُبرم الصلح في أقرب الآجال بعيدا عن لغة الابتزاز، وهذه حسب رأينا أيضا توجيهات دقيقة ومباشرة لجعل الصلح الجزائي افرصةب حقيقية إيجابية للجميع بعيدا عن التنكيل، وكأننا هنا بسيادته يوجّه رسالة طمأنة ويقطع الطريق أمام من يريد الانحراف بفكرة الصلح وتحويلها لأداة مقايضة وابتزاز لا تعود بالوبال على رجل الأعمال فقط ولكن على البلاد والعباد بصورة عامة لأنها تأتي بنتائج عكسية تفضي الى سلب حرية الناس وتقدم صورة سلبية عن تونس وترهب المستثمر الداخلي والخارجي في نفس الوقت.
إن كلام الرئيس واضح وجريء لا يحتاج إلى تفسير أو اجتهاد بعد الآن وبعد أن قال بوضوح الن تكون هناك نية للتنكيل بأحد، فليغادر هؤلاء بعد إبرام الصلح غياهب السجون، والأمر يتعلق بمن هم في السجن، أو بمن هم خارج الوطنب.
وطبيعي أن يحفّز ساكن قرطاج رئيس اللجنة الوطنيّة للصّلح الجزائيّ على الإسراع في تقديم مشاريع الاتفاقيات التي ستبرم مع المعنيين بالصلح الجزائي دون إهدار الوقت في إجراءات لا طائل من ورائها على حد تعبيره كما حصل في السابق ليغلق هذا الملف نهائيا وهو ما يستوجب أيضا تشكيل اللجنة نفسها في أقرب الآجال..!
لقد اكتسب الصلح الجزائي ببلادنا أهمية خاصة بعد إقرار آليات قانونية تهدف إلى استرجاع الأموال المتأتية من الفساد أو الاعتداء على المال العام مقابل تنفيذ التزامات مالية أو مشاريع ذات نفع عام وذلك وفق الضوابط التي ينص عليها القانون، وقد روّج رئيس الجمهورية لهذه الفكرة منذ سنوات ولم يواكب التقدم في صياغة القوانين وإحداث الآليات تحقيق الأهداف المرجوة التي هي كثيرة.
إن الصلح الجزائي ليس مجرد آلية قانونية تسمح بإنهاء بعض القضايا الجزائية عبر اتفاق بين الدولة والشخص أو رجل الأعمال المشتبه به أو المتهم، وفق شروط يحددها القانون بدل الاستمرار في المحاكمة التقليدية، بل هو بوابة أوسع لما يمكن ان نسمّيها العدالة التصالحية وهي مقاربة حديثة لحل النزاعات الجنائية تركز على معالجة الأضرار التي لحقت بالضحية التي هي الشعب التونسي للأسف في هذه الحال، وإعادة دمج الجاني في المجتمع، بدلاً من مجرد التركيز على العقاب والسجن كما هو الحال في العدالة الجنائية التقليدية وما يتسبب فيه ذلك من وصم وربما من تصفيه حسابات وتنكيل وترهيب وتخويف وابتزاز وهروب واستجارة بالخارج فيعود ذلك بالوبال على الجميع وهو ما يجب ان يتفطن اليه ويتجنبه الجميع.
لقد عرفت دول كثيرة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وفرنسا ونيوزيلندا وألمانيا وايطاليا تجارب صلح جزائي أو عدالة تصالحية ناجحة وبمقدورنا في تونس أن نصنع تجربتنا بنجاح متى صدقت النوايا بالفعل وأن نترجمها في الواقع بأسرع وقت حتى لا تضيع الفرصة.
ترشّح سيدي بوسعيد لقائمة التراث العالمي ملفّ جادّ.. وجدّي
قرية سيدي بوسعيد: مركز للإلهام الثقافي والروحي في البحر الأبيض الم…





