2026-06-13

عن حروب التصريحات على المنصات: عندما تتحوّل الخلافات الفردية إلى معارك بين الشعوب

في كل مرة يطلق فيها فنان أو مؤثر أو شخصية عامة تصريحاً مستفزاً بحق بلد عربي أو شعب عربي، تتكرر المشاهد ذاتها على منصات التواصل الاجتماعي: موجات من الغضب، وردود فعل حادة، وحملات سخرية متبادلة، واستدعاء للصور النمطية والأحكام الجاهزة. وما يبدأ بكلمة أو موقف فردي سرعان ما يتحول إلى ما يشبه “الحرب إلكترونية” يتبادل فيها آلاف الأشخاص الاتهامات والإهانات وكأنهم يمثلون أوطانهم بأكملها.
ولعل التصريح الاستفزازي الذي عرض مؤخرا على مواقع التواصل الاجتماعي خير دليل على ما نقول فقد تضمن رأيا مسيئا صادر عن فتاة قالت انها تونسية مستقرة في مصر تمارس الرقص. وسرعان ما تحول الى كرة ثلج بدأت تكبر وتكبر حتى غزت كل المواقع.
والأكيد ان هذه الحادثة الأخيرة التي أثارت جدلاً واسعاً بين التونسيين والمصريين ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من السجالات العربية الرقمية. فتصريح واحد أو مقطع فيديو لا تتجاوز مدته دقائق معدودة كان كفيلاً بإشعال موجة من التفاعلات التي تجاوزت صاحب التصريح نفسه لتطال شعبين تجمعهما روابط تاريخية وثقافية عميقة.
و تكشف هذه الظاهرة عن تحوّل عميق في طبيعة النقاش العام داخل الفضاء الرقمي العربي. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد منصات لتبادل الأخبار والآراء، بل أصبحت ساحات مفتوحة للمواجهات الرمزية، حيث يمتزج الشعور الوطني بردود الفعل اللحظية، ويصبح الانتصار المعنوي للطرف الذي ننتمي إليه أهم من البحث عن حقيقة ما جرى أو فهم أبعاده.
و ساهمت خوارزميات المنصات الرقمية في تغذية هذا المناخ. فهي تمنح أفضلية للمحتوى المثير للغضب والاستفزاز لأنه يحقق نسب مشاهدة وتفاعلاً أكبر. وكلما ارتفعت حدة الخطاب ارتفعت فرص انتشاره. وهكذا يتحول الجدل إلى مادة جذابة، وتصبح الإثارة أكثر رواجاً من العقلانية، بينما تتراجع الأصوات الداعية إلى التهدئة والحوار.
والأخطر من ذلك هو التعميم. فبدلاً من التعامل مع التصريح باعتباره رأياً فردياً أو سلوكاً شخصياً، يُسارع كثيرون إلى تعميمه على شعب بأكمله. وهنا تنتقل الأزمة من مستوى الأشخاص إلى مستوى الهويات الوطنية، فتُستدعى الأحكام المسبقة والصور النمطية، ويتحول النقاش إلى تبادل للاتهامات بين مجموعات واسعة من المستخدمين.
هذه العصبية الرقمية تكشف أيضاً عن هشاشة ثقافة الاختلاف في فضائنا العربي. فبدلاً من مناقشة الفكرة أو انتقاد السلوك، ينزلق الحوار سريعاً نحو التجريح والإهانة والتشكيك في الآخر. وكأن مواقع التواصل أطلقت العنان لنزعات دفينة تبحث باستمرار عن مناسبة للظهور والانفجار.
والمفارقة أن الشعوب العربية التي تتخاصم افتراضياً حول حادثة عابرة تتقاسم في الواقع تاريخاً مشتركاً ولغة واحدة وتحديات متشابهة. فالعلاقات بين الشعوب لا تُختزل في تصريح مستفز أو منشور عابر، كما أن قيمة الأوطان أكبر بكثير من أن ترتبط بسلوك فرد مهما كان حجم شهرته أو تأثيره.
كما أن النضج الرقمي اذا جازت العبارة يقتضي التمييز بين الفرد والجماعة، وبين النقد المشروع والإساءة الجماعية، وبين الدفاع عن الكرامة الوطنية والانزلاق إلى خطاب الكراهية. كما يقتضي إدراك أن الرد على الخطأ لا يكون بالضرورة بخطأ أكبر، وأن الانتصار الحقيقي لا يتحقق بإغراق الفضاء الرقمي بالإهانات، بل بإعلاء قيم الاحترام والعقلانية.
واذا اردنا ان نمضي عميقا في تحليل هذه الظاهرة ، تبدو لنا المعارك الافتراضية التي تندلع بين الحين والآخر انعكاساً لأزمة أعمق تتعلق بطريقة استخدامنا لوسائل التواصل الاجتماعي. فهذه المنصات قادرة على بناء الجسور كما هي قادرة على تعميق الهوة بين الناس. ويبقى الخيار في يد المستخدم نفسه: إما أن يكون جزءاً من دوامة الغضب الجماعي، أو أن يساهم في ترسيخ ثقافة الحوار والوعي والاحترام المتبادل.
فالأوطان لا تحتاج إلى جيوش إلكترونية تتبادل الشتائم، بقدر ما تحتاج إلى مواطنين يدركون أن قوة بلادهم لا تُقاس بحدة ردود الفعل، بل بقدرتها على التحلي بالحكمة حين ينجرف الآخرون وراء الانفعال..

‫شاهد أيضًا‬

ظافر العابدين في “ممكن”: حين تتحوّل اللهجة إلى جسر للإقناع الدرامي

يواصل النجم التونسي ظافر العابدين تأكيد مكانته كواحد من أبرز الممثلين العرب القادرين على خ…