2026-06-15

اغتراب لمهدي الهميلي: حين يفشل الجدل في صناعة الظاهرة السينمائية

في السنوات الأخيرة، تحوّل الجدل إلى أداة تسويق شبه مضمونة للأعمال الفنية. يكفي أن يثير فيلم أو مسلسل موجة من الاعتراضات على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتحول إلى حديث الساعة، ويجد كثيرون أنفسهم
مدفوعين لمشاهدته بدافع الفضول.
لكن فيلم اغتراب للمخرج مهدي الهميلي أثبت أن هذه المعادلة ليست مطلقة، وأن الضجة وحدها لا تكفي لصناعة النجاح.
فالفيلم الذي أثار سجالا واسعاً بسبب بعض المفردات الجريئة والمشاهد التي اعتبرها جزء من الجمهور مبتذلة وغير مبررة فنياً، وجد نفسه في قلب عاصفة من الانتقادات منذ بداية عرضه التجاري. غير أن هذا الجدل لم يتحول إلى مكسب جماهيري، بل ربما ساهم في نفور جزء من المشاهدين، وخاصة جمهور العائلات..
والحقيقة ان اختزال «اغتراب» في قضية البذاءة هو ظلم لهذا العمل. فالفيلم يحمل مشروعاً فكرياً واضحاً يتمثل في مساءلة علاقة الإنسان بالمنظومة الرأسمالية التي تحول العامل إلى جزء صغير من آلة عملاقة لا ترحم. إنها الفكرة ذاتها التي استلهمها شارلي شابلن منذ عقود في «الأزمنة الحديثة»، لكن مهدي الهميلي اختار مقاربة أكثر سوداوية وأقل تفاؤلاً.
تماما كما يضعنا اغتراب كمشاهدين داخل حالة من الضيق النفسي حد الاختناق . ويصبح بالتالي فضاء المصنع الذي تدور فيه الاحداث شخصية قائمة بذاتها كما ان الآلات الحديدية تتآكل بفعل الصدأ تنقل العدوى الى الانسان الذي يلتهمه دوامة هي نوع من الصدأ أيضا.
امام الكثير من القضايا فهل ليس عملا بسيطا
ومع ذلك، يبدو أن الفيلم وقع في مفارقة صعبة؛ ففي الوقت الذي امتلك فيه رؤية فنية طموحة ولغة بصرية قوية وأداءً مميزاً من غانم الزرلي ومرام بن عزيزة، أضاع جزءاً من رسالته بسبب خيارات أثارت الانتباه نحو الشكل أكثر من المضمون.
وهو ما جعل النقاش يتحول سريعاً من أسئلة جوهرية حول استغلال العمال والفساد المؤسسي وتوحش المنظومة الاقتصادية إلى سجال عقيم حول الألفاظ المستعملة وبعض المشاهد المثيرة للجدل. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: عندما يصبح الجدل أكبر من العمل نفسه، يخسر الفيلم معركته الأساسية.
نقول هذا رغم يقيننا بأن فيلم اغتراب الذي يعرض حاليا ومنذ فترة لم .
يكن في حاجة إلى هذه الصدمات المجانية حتى يفرض نفسه. فالمخرج مهدي الهميلي يمتلك تجربة سينمائية معروفة ورؤية بصرية خاصة، وكان قادراً على إيصال رسالته الإنسانية العميقة دون أن يمنح الجدل مساحة تطغى على بقية عناصر العمل.
كما أن الرهان على استفزاز الجمهور لم يعد مضمون النتائج. فالمشاهد التونسي اليوم أكثر وعياً، ولم يعد يقيس قيمة العمل بمدى جرأته، بل بقدرته على إقناعه وإثارة أسئلته وترك أثر حقيقي داخله.
وربما يقدم «اغتراب» درساً مهماً للسينما التونسية: ليس كل جدل دعاية ناجحة، وليس كل صدمة طريقاً مختصراً إلى النجاح. ففي زمن تتنافس فيه الأعمال على خطف الانتباه، يبقى الرهان الحقيقي هو بناء علاقة صادقة مع الجمهور، لأن الضجيج يختفي سريعاً، بينما يبقى الأثر الفني وحده هو القادر على مقاومة الزمن.
لقد نجح «اغتراب» في إثارة النقاش، ونجح في الوصول إلى مهرجانات عالمية مرموقة، لكنه لم يتحول إلى ظاهرة جماهيرية. وبين النجاح النقدي المحدود والفتور الجماهيري، يبقى السؤال مطروحاً: هل كان الفيلم ضحية جرأته، أم ضحية اعتقاد خاطئ بأن الجدل وحده قادر على ملء قاعات السينما؟

‫شاهد أيضًا‬

مسلسل يا ورد على فل وياسمين : حين تنتصر الدراما الهادئة على صخب الاثارة

في زمن باتت فيه الدراما العربية أسيرة الجرعات المكثفة من العنف والخيانة والصراخ المستمر، ج…