2026-06-15

مسلسل يا ورد على فل وياسمين : حين تنتصر الدراما الهادئة على صخب الاثارة

في زمن باتت فيه الدراما العربية أسيرة الجرعات المكثفة من العنف والخيانة والصراخ المستمر، جاء مسلسل يا ورد على فل وياسمين
ليعيد الاعتبار إلى نوع من الحكايات البسيطة التي كاد المشاهد العربي ان ينساها في خضم دراما الاكشن وقصص الطبقة المخملية المملة.
بل هناك من يحن الى زمن القصص الهادئة و يفتقدها ، تلك التي تنبع من تفاصيل الحياة اليومية وتراهن على دفء العلاقات الإنسانية أكثر من رهانها على الصدمات المفتعلة والرفاه المادي المبالغ فيه.
لكن مسلسل ياورد على فل وياسمين راهن على هذا الجمهور بالذات ويبدو انه كسب الرهان من خلال النجاح المنقطع النظير الذي يحصده هذه العمل منذ حلقاته الأولى. .
رغم انه قد يبدو العمل بسيطاً للغاية للوهلة الأولى، لكن هذه البساطة تحديداً هي أكثر ما يمنحه فرادته. لقد اختار أن يسير بعكس التيار، وأن يروي قصة أناس عاديين يحملون أحلاماً صغيرة وهواجس تشبه ملايين البشر الذين يصارعون أعباء الحياة دون ضجيج أو بطولة زائفة. وهذا الشبه بالذات مع المتلقي هو ما جعله متميزا وعميقا. .
ولعل هذا ما دفع الناقد الفني طارق الشناوي إلى الإشادة بالعمل، معتبراً أنه يمتلك «الكثير من السحر والصدق» على مستوى الكتابة والإخراج والديكور والموسيقى والأداء التمثيلي، مؤكداً أن قوة العمل تكمن في قدرته على صناعة حالة إنسانية متكاملة بعيداً عن المبالغة الدرامية.
لكن النجاح الحقيقي للمسلسل لا يكمن فقط في عناصره الفنية، بل في قدرته على إعادة تعريف مفهوم البطولة نفسه. فبدلاً من البطل الخارق أو الشخصية الاستثنائية، يقدّم شخصيات هشة وضعيفة أحياناً، لكنها صادقة وقريبة من وجدان الجمهور.
كما لفتت الناقدة ماجدة خير الله الانتباه إلى البعد الاجتماعي للعمل، معتبرة أن شخصية «إلهام» التي تؤديها صبا مبارك تعكس صورة المرأة التي تقاوم قسوة الظروف بابتسامة لا تنطفئ، وتبحث عن أبسط حقوق الحياة الكريمة، وهي تفاصيل منحت المسلسل قدراً كبيراً من الواقعية.
والأكيد ان اول عناصر النجاح لهذا العمل هي النص الذي كتب بحرفية شديدة جعلته يلتصق بمفردات الواقع الى جانب الإخراج الذي راهن أيضا على الواقعية الشديدة وهذا مكمن السحر تماما كما جاء أداء الممثلين تلقائيا دونما تصنع او تكلف سواء صبا مبارك او احمد عبد الوهاب الذي يخوض اول مغامرة كبيرة في التمثيل له مع باقي الممثلين. .
والأكيد ان اجتماع كل هذه العناصر شكّل
مكمن قوة المسلسل الحقيقية فهو لا يسعى إلى إبهار المشاهد عبر الحبكات المتشابكة أو المفاجآت المتتالية، بل يدعوه إلى التمهل والتأمل في الحياة نفسها، بكل هشاشتها وبساطتها.
إذن أثبت مسلسل يا ورد على فل وياسمين أن الجمهور لم يفقد شهيته تجاه الدراما الإنسانية، بل كان ينتظر فقط عملاً يحترم ذكاءه ومشاعره. فبعد سنوات من سباق الإثارة والصخب، يبدو أن المشاهد العربي بدأ يميل مجدداً إلى الحكايات التي تشبهه، وتعيد إليه شيئاً من دفء البيوت القديمة ورائحة الفل والياسمين التي تحملها الذاكرة.
وربما تكون الرسالة الأهم التي يبعثها المسلسل هي أن الفن ليس مطالباً دائماً بأن يرفع منسوب الأدرينالين لدى المتلقي، بل يكفي أحياناً أن يربت على كتفه ويذكره بأن الجمال لا يزال كامناً في أبسط تفاصيل الحياة.

‫شاهد أيضًا‬

اغتراب لمهدي الهميلي: حين يفشل الجدل في صناعة الظاهرة السينمائية

في السنوات الأخيرة، تحوّل الجدل إلى أداة تسويق شبه مضمونة للأعمال الفنية. يكفي أن يثير فيل…