2026-06-23

‎الإتحاد‭ ‬الإفريقي‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬المستقبل‭..‬ ‎الأفارقة‭ ‬أمل‭ ‬الإنسانية

‎‭ ‬

‎عندما‭ ‬أقدم‭ ‬قادة‭ ‬افريقيا‭ ‬في‭ ‬التاسع‭ ‬من‭ ‬جويلية‭ ‬عام‭ ‬2002‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬منظمة‭ ‬الوحدة‭ ‬الإفريقية‭ ‬التي‭ ‬أنشؤوها‭ ‬ذات‭ ‬25‭ ‬ماي‭ ‬1963‭ ‬الى‭ ‬اإتحاد‭ ‬إفريقيب،‭ ‬كان‭ ‬منسوب‭ ‬التفاؤل‭ ‬بتغيير‭ ‬واقع‭ ‬القارة‭ ‬السمراء‭ ‬وشعوبها‭ ‬مرتفعا‭ ‬الى‭ ‬أبعد‭ ‬الحدود‭. ‬كان‭ ‬الحلم‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين‭ ‬أنذاك‭ ‬بلوغ‭ ‬درجة‭ ‬متقدمة‭ ‬من‭ ‬الوحدة‭ ‬تضاهي،‭ ‬بل‭ ‬تتجاوز‭ ‬تجربة‭ ‬وحدة‭ ‬الأوروبيين‭ ‬ضمن‭ ‬االاتحاد‭ ‬الأوروبيب‭ ‬بوصفها‭ ‬أفضل‭ ‬وأنجع‭ ‬تجمع‭ ‬إقليمي،‭ ‬وتُترجم‭ ‬في‭ ‬إرساء‭ ‬اقتصاد‭ ‬قوي‭ ‬وعملة‭ ‬واحدة‭ ‬وحلول‭ ‬مشتركة‭ ‬وتشاركية‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يؤرق‭ ‬الأفارقة‭ ‬ويجعل‭ ‬صوتهم‭ ‬مسموعا‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬جبر‭ ‬أضرار‭ ‬الماضي‭..‬

وللأسف،‭ ‬ها‭ ‬نحن‭ ‬بعد‭ ‬عقدين‭ ‬ونيف‭ ‬نراوح‭ ‬مكاننا‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬الهدف‭ ‬تطوير‭ ‬كافّة‭ ‬هياكل‭ ‬هذا‭ ‬الاتحاد‭ ‬الإفريقي‭ ‬لتعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬بلدانه‭ ‬والعمل‭ ‬المشترك‭ ‬والدؤوب‭ ‬بين‭ ‬شعوبه‭ ‬وتبنّي‭ ‬مقاربات‭ ‬محيّنة‭ ‬تواكب‭ ‬تطورات‭ ‬الفكر‭ ‬الإنساني‭ ‬والمتغيرات‭ ‬الدولية‭.‬

وحسنا‭ ‬فعل‭ ‬قادة‭ ‬إفريقيا‭ ‬بتبنّي‭ ‬الأجندة‭ ‬المستقبلية‭ ‬للاتحاد‭ ‬الإفريقي‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬رؤية‭ ‬طموحة‭ ‬لتنمية‭ ‬القارة‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬اأجندة‭ ‬2063ب،‭ ‬والتي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬إفريقيا‭ ‬مزدهرة‭ ‬ومتكاملة‭ ‬يسودها‭ ‬السلام‭ ‬والاستقرار‭ ‬وفق‭ ‬رؤية‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المستدام،‭ ‬وتطوير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وتشجيع‭ ‬التجارة‭ ‬والاستثمار‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الإفريقية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬دعم‭ ‬التعليم‭ ‬والابتكار‭ ‬وتمكين‭ ‬الشباب‭ ‬والمرأة‭.‬

‎كما‭ ‬انطلقت‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬عملية‭ ‬تجديد‭ ‬وضخ‭ ‬دماء‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬الافريقي‭ ‬وهياكله‭ ‬ومؤسساته‭ ‬المختلفة،‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تتسابق‭ ‬فيه‭ ‬القوى‭ ‬النافذة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬لعقد‭ ‬قمم‭ ‬مشتركة‭ ‬مع‭ ‬قادة‭ ‬افريقيا‭ ‬وتقديم‭ ‬وعود‭ ‬أصبحت‭ ‬ممجوجة‭ ‬ومحل‭ ‬تندّر‭ ‬لتكرارها‭ ‬دون‭ ‬تحقيقها‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬يتواصل‭ ‬ابتزاز‭ ‬القارة‭ ‬السمراء‭ ‬واستغلال‭ ‬مواردها‭ ‬البشرية‭ ‬والمادية‭ ‬وسرقة‭ ‬العقول‭ ‬بعد‭ ‬مرحلة‭ ‬سرقة‭ ‬الثروات‭ ‬الطبيعية‭.‬

وللأسف‭ ‬أيضا،‭ ‬أنّ‭ ‬عديد‭ ‬الدّول‭ ‬الإفريقيّة،‭ ‬وكما‭ ‬قال‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬أول‭ ‬أمس‭ ‬الجمعة‭ ‬19‭ ‬جوان‭ ‬2026‭ ‬عند‭ ‬استقباله‭ ‬نائبة‭ ‬رئيس‭ ‬مفوضية‭ ‬الإتحاد‭ ‬الإفريقي،‭ ‬شهدت‭ ‬ولا‭ ‬زالت‭ ‬تشهد‭ ‬مفارقات‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتوقّف،‭ ‬فبقدر‭ ‬ما‭ ‬تزخر‭ ‬بالخيرات‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬ضحية‭ ‬حروب‭ ‬أهليّة‭ ‬هذا‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬كلّ‭ ‬أشكال‭ ‬البؤس‭ ‬والأمراض‭ ‬والأوبئة‭ ‬والحرمان‭.‬

‎إن‭ ‬موقف‭ ‬تونس‭ ‬التي‭ ‬أعطت‭ ‬إسمها‭ (‬افريقية‭) ‬لـاافريقياب‭ ‬منسجم‭ ‬في‭ ‬الظاهر‭ ‬مع‭ ‬القيم‭ ‬والمبادئ‭ ‬الإنسانية‭ ‬فالحُلم‭ ‬في‭ ‬الوحدة‭ ‬والإتحاد‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬سيبقى‭ ‬يُراود‭ ‬الشّعوب‭ ‬الإفريقيّة‭ ‬بالرّغم‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬عرفته‭ ‬وتعرفه‭ ‬عديد‭ ‬المناطق‭ ‬من‭ ‬هزّات‭ ‬واقتتالات‭ ‬ونهب‭ ‬للثروات‭ ‬ومتى‭ ‬كانت‭ ‬الإرادة‭ ‬موحّدة‭ ‬وثابتة‭ ‬فإنّ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬حُلم‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يُحسب‭ ‬أنّه‭ ‬في‭ ‬عداد‭ ‬الأحلام‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭ ‬في‭ ‬الواقع‭. ‬

‎ويخلص‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬الى‭ ‬ما‭ ‬تتبناه‭ ‬النخب‭ ‬في‭ ‬قارتنا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬االأفارقة‭ ‬قادرون‭ ‬إذا‭ ‬اتّحدوا‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬مستقبل‭ ‬جديد‭ ‬لا‭ ‬لإفريقيا‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬للإنسانية‭ ‬جمعاءب‭.‬

‎إن‭ ‬عديد‭ ‬الاعتبارات‭ ‬تجعل‭ ‬بلادنا‭ ‬معتزّة‭ ‬بانتمائها‭ ‬الإفريقي‭ ‬وتدعو‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬إفريقيا‭ ‬للأفارقة‭ ‬مع‭ ‬تفكيك‭ ‬شبكات‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭ ‬التي‭ ‬تُتاجر‭ ‬بالبشر‭ ‬وبأعضاء‭ ‬البشر‭ ‬وكذلك‭ ‬شركات‭ ‬الجريمة‭ ‬المنظمة‭ ‬وغيرها‭..‬

ولا‭ ‬ننسى‭ ‬هنا‭ ‬موقف‭ ‬الأفارقة‭ ‬المشرّف‭ ‬من‭ ‬قضية‭ ‬مركزية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬تونس‭ ‬والعرب‭ ‬وأحرار‭ ‬العالم‭ ‬وهي‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬فما‭ ‬قدمه‭ ‬الاتحاد‭ ‬الافريقي‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الإفريقية‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬دولة‭ ‬جنوب‭ ‬افريقيا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬الفاعلين‭ ‬في‭ ‬ملاحقة‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬أمام‭ ‬القضاء‭ ‬الدولي‭ ‬مشرّف‭ ‬ومبعث‭ ‬فخر‭ ‬واعتزاز‭.‬

‎إن‭ ‬المطلوب‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬الأفارقة‭ ‬هو‭ ‬عدم‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬المطبات‭ ‬التي‭ ‬يضعها‭ ‬أمامهم‭ ‬أعداؤهم‭ ‬وخصومهم‭ ‬التقليديون‭ ‬والجدد‭ ‬الذين‭ ‬يواصلون‭ ‬تأجيج‭ ‬الأوضاع‭ ‬وتغذية‭ ‬الأزمات‭ ‬والابتزاز‭ ‬والمقايضة‭ ‬ويتعاملون‭ ‬مع‭ ‬القارة‭ ‬باستعلاء‭ ‬ويزعمون‭ ‬انهم‭ ‬بصدد‭ ‬تلقيننا‭ ‬الدروس‭.‬

‎إن‭ ‬شروع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الافريقي‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬وإعداد‭ ‬الأجندة‭ ‬المستقبلية‭ ‬لتنمية‭ ‬القارة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أجندة‭ ‬2063،‭ ‬خطوة‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬الصحيح‭ ‬ولا‭ ‬مناص‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬اتصالية‭ ‬واسعة‭ ‬وناجعة‭ ‬للتعريف‭ ‬بهذه‭ ‬الأجندة‭ ‬وأهدافها‭ ‬ومراحلها‭ ‬وسبل‭ ‬تنفيذها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التعبئة‭ ‬والتحفيز‭ ‬وشحذ‭ ‬همم‭ ‬الجميع،‭ ‬من‭ ‬قادة‭ ‬وحكام‭ ‬ومسؤولين‭ ‬ونخب‭ ‬وقطاع‭ ‬خاص‭ ‬ومجتمع‭ ‬مدني‭ ‬ويكون‭ ‬الهدف‭ ‬جليا‭ ‬وقابلا‭ ‬للتحقيق‭ ‬يفضي‭ ‬الى‭ ‬بناء‭ ‬إفريقيا‭ ‬مزدهرة‭ ‬ومتكاملة‭ ‬يسودها‭ ‬السلام‭ ‬والاستقرار‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

عن نتائج الدورة الرئيسيّة لباكالوريا 2026 دروس واستنتاجات أوّلية

لم تكن نهاية الأسبوع المنقضي عادية في بلادنا، فقد شكّل الإعلان عن نتائج الدورة الرئيسيّة ل…