‎يبدو أننا مجبرون على العودة إلى أصول عديد الأشياء كما يقال، ليس لفهم الواقع فحسب وإنما للقيام بتشخيصه تشخيصا سليما وصياغة الحلول المناسبة له والسهر على تنفيذها بالخصوص، وهو الممكن الذي لا ينتظر المعجزات ولا يستوجب «العبقريات»، بعبارة أخرى، قد نكون بصدد خلع أبواب مفتوحة.

‎والموجب هنا هو عودة الحديث عن الدور التوعوي للإعلام، أي دوره في نشر المعرفة ورفع وعي المجتمع بالقضايا المختلفة الصحية والاجتماعية والبيئية وغيرها ونشر الثقافة كذلك والقيم الإيجابية، كل ذلك من خلال مكافحة الشائعات والمعلومات المضللة وتقديم معلومات صحيحة وموثوقة تساعد الأفراد على اتخاذ قرارات واعية تشجع على الحوار واحترام الرأي الآخر ما يعزز روح المواطنة والمسؤولية ويفرز في النهاية السلوك الإيجابي الذي يخدم المصلحة العامة.

‎ولسنا هنا في وارد المفاضلة بين المحامل الإعلامية التقليدية منها والحديثة وفق التصنيف السائد اليوم، فالحديث عن نهاية وسائل الإعلام التقليدية من صحف واذاعات وتلفزات مجانب للصواب، والإقرار بأهمية الطفرة التكنولوجية وريادة وسائل الاتصال الحديثة لا يعني القطيعة، والحكمة والمصلحة تقتضيان التعويل عليها جميعها بالنظر إلى طبيعة المجتمع ومقدراته واحتياجاته.

‎إننا بحاجة إلى الجريدة للمساهمة في مقاومة الأمية، هذا الخطر الداهم على بيئتنا، ونحن بحاجة إلى الراديو لتكريس صحافة القرب ونحن نحتاج التلفزة التي تجمع العائلة مثلما نحتاج مواقع التواصل الاجتماعي وكل ما هو مرتبط بالانترنات التي نحن بعيدون عن «صنعها» و«صنائعها».

‎نقول هذا الكلام ونحن نستحضر جانبا من كلام رئيس الجمهوريّة قيس سعيد مطلع الأسبوع إلى كلّ من شكري بن نصير الرئيس المدير العام لمؤسسة التلفزة التونسية وهندة بن عليّة الغريبي الرئيسة المديرة العامة لمؤسسة الإذاعة التونسية وناجح الميساوي الرئيس المدير العام لوكالة تونس إفريقيا للأنباء وسعيد بن كريّم الرئيس المدير العام لـمؤسسة «سنيب لابراس» ومحمّد بن سالم المفوّض بمؤسسة دار الصباح.

‎لقد أوصى  رئيس الجمهورية بتكثيف الومضات الإذاعيّة والتّلفزية لمواجهة عديد المظاهر السلبيّة الهادفة إلى تفكيك المجتمع ومنها على وجه الخصوص آفة المخدّرات التي تستهدف الشباب.

‎هي بالفعل مهمة ملقاة على عاتق مؤسسات الإعلام وخاصة منها العمومي لأن القطاع الخاص المنهك بطبعه تَغلُب عليه الغاية الربحية، ولا مناص هنا من العودة إلى انتاج المادة التوعوية، وليس فقط من خلال الومضات أو الإعلانات ولكن أيضا عبر المنوّعات والبرامج الحوارية والأعمال الإبداعية الدرامية فنجوم التمثيل سفراء كلمة ولهم مكانة مرموقة في وجدان المشاهدين وحتى المشاهير والنجوم في المجالات الأخرى كالرياضة والموسيقى قادرون على تعزيز دور الإعلام في نشر الوعي والارتقاء بالثقافة.

‎ولا يمكن في هذا الصدد أيضا أن ننسى دور المؤسسات الوطنية والهيآت الحكومية ومجمل المكونات المدنية التي تمارس الاتصال المؤسساتي وهي في تقديرنا مقصّرة بشكل كبير خصوصا بالنظر إلى الإمكانيات المتوفّرة لديها والتي تضاهي في بعض الحالات ما تملكه مؤسسات إعلام عمومي، أضف إلى ذلك التخصص وتملك المادة نظريا على الأقل وأحيانا التمويل الأممي والدولي..

‎ويمكن لهذه المؤسسات أن تبرم شراكات مع الإعلام، فالمشكل البيئي على سبيل المثال يهم عددا من الهياكل والادارات والمراصد التي بمقدورها، بل من واجبها أن تنشر الوعي بمشكلات البيئة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المخدرات أو الإرهاب أو التشدد الديني أو الانقطاع المدرسي، أليس بإمكان وزارة التربية مثلا أو المرأة أو التعليم العالي أو التكوين المهني أن تنتج ومضات بصفة مستقلة أو بالاشتراك مع موسسات الإعلام؟

‎إن العمل الجماعي هو الذي يحقق ربح الوقت أولا والنجاعة ثانية، وهو الذي يجعلنا نتفاءل باضطلاع الإعلام بأدواره المركبّة والضرورية للارتقاء بالانسان والنهوض بالوطن.

‫شاهد أيضًا‬

‎مكسب وطني وأحد أعمدة الدولة الاجتماعية ‎ردّ الإعتبار لـ«فسفاط قفصة»..

‎لا يختلف إثنان في أن شركة فسفاط قفصة توجد اليوم في وضع أفضل مما كانت عليه خلال سنوات التر…