تتواصل الجهود الأمنية والديوانية بوتيرة متصاعدة لمواجهة ظاهرة المخدرات التي باتت تمثل تحدّيا حقيقيا للأمن الاجتماعي والصحي عامة، إذ تكشف الأرقام الرسمية المسجلة عن ارتفاع ملحوظ في كميات المحجوزات للمواد المخدرة بكل أنواعها.
حيث كشفت مصلحة مكافحة المخدرات بإدارة الشرطة العدلية بالقرجاني و مصالح الديوانة أنه ومنذ بداية سنة 2026 وحتى جويلية ضُبط أكثر من 214 كلغ من المواد المخدرة، منها 78.4 كلغ كوكايين و134.5 كلغ قنب هندي. إلى جانب ما يقارب 180 ألف حبة مخدرة في الستة أشهر الأولى فقط من هذه السنة وأنه خلال السنة الفارطة أي عام 2025 ارتفعت قضايا المخدرات من 5 آلاف قضية سنة 2020 إلى أكثر من 15 ألف قضية سنة 2025 وعدد الموقوفين قفز من 10 آلاف إلى أكثر من 27 ألفًا خلال الفترة نفسها أما المحجوزات فبلغت مئات الكيلوغرامات من القنب الهندي وعشرات الكيلوغرامات من الكوكايين ومئات الآلاف من الأقراص المخدرة إضافة إلى كميات متفاوتة من أنواع أخرى من المواد المخدرة.
كما تمكنت الأجهزة الديوانية بدورها من إحباط كميات قياسية شملت أكثر من 13 مليون حبة مخدرة وأكثر من 80 كيلوغراما من الكوكايين ونحو760 كيلوغرام من القنب الهندي في عمليات نوعية بموانئ رادس وحلق الوادي ومطار تونس قرطاج والمعابر الحدودية.
هذه المعطيات الخاصة بظاهرة المخدرات في بلادنا، تؤكّد بما لا يدع مجالا للشك بأنها باتت تمثل تحديا حقيقيا للأمن الاجتماعي والصحي عامة من خلال الارتفاع الملحوظ في كميات المحجوزات للمواد المخدرة بكل أنواعها وارتفاع عدد القضايا المتعلقة بمختلف المتورطين في هذه الشبكات الإجرامية.
وهو ما يعكس في الوقت نفسه تصاعد محاولات التهريب ونجاعة الأجهزة الأمنية في التصدّي لها وهو ما يمكننا من القول بأن بلادنا التي كانت لعقود مجرد بلد عبور تمر عبره شحنات المخدرات نحو أوروبا باتت اليوم في قلب العاصفة وبدأت تتحول تدريجيًا إلى مركز استهلاك.
كما يؤشّر هذا الارتفاع الملحوظ في الحجوزات على أن شبكات التهريب أصبحت أكثر جرأة وتنظيما وتستغل موقع تونس الجغرافي كنقطة عبور بين شمال إفريقيا وأوروبا مما سمح للمخدرات بأن تدخل برا وبحرا وجوا وغالباً ما تكون هذه السموم جزءاً من مسارات إقليمية أوسع لكن الأجهزة الأمنية نجحت في تفكيك شبكات دولية، بعضها ضم أجانب وتونسيين وحجزت كميات ضخمة في مخابئ مخفية داخل الأمتعة و السيارات وحاويات الشحن وغيرها من الأماكن.
في السياق نفسه وفي اطار الحرب على المخدرات لابد من الإشارة وبمناسبة انطلاق الموسم الدراسي الجديد ان قلاع العلم والمعرفة – المؤسسات التربوية – لم تسلم من هذه الظاهرة الخطيرة بل استباحها مروّجو المخدرات في البحث عن فريسة سهلة لترويج سمومهم إذ تجد شبكات ترويج المخدرات مجالا واسعا للتحرك في الوسط المدرسي وخصوصا في صفوف التلاميذ، وتعمد هذه الشبكات إلى بث سمومها في هذه الشريحة التي تعد فريسة سهلة . فقد ضبطت الوحدات الأمنية في ميناء رادس شحنة تضم نحو 12 مليون قرص مخدر داخل حاوية قادمة من أوروبا كانت مُعدّة للترويج في الوسط المدرسي ويتكرر سيناريو الكرّ والفرّ على مدار السنة وفي كل الأماكن الحدودية حيث تم تفكيك عديد الشبكات التي كانت تستعد لإغراق محيط المدارس بأقراص مخدرة بالتزامن مع انطلاق الموسم الدراسي وهو ما يعني بالتأكيد بأن استهداف المؤسسات التربوية يهدف إلى «ضرب نواة المجتمع».
وتأتي في هذا الإطار دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيّد مؤخرًا إلى تخصيص بضع دقائق من كل حصة دراسية للتوعية بمخاطر المخدرات لتصبح ممارسة يومية داخل الفصل. بالتوازي مع مزيد تكثيف الجهود للتصدي لآفة المخدّرات والقضاء على شبكات الترويج.
كما انطلقت المرحلة الأولى من مبادرة وطنية تشاركية للوقاية تجمع عدة وزارات وهياكل عمومية ووسائل إعلام وجمعيات وتتضمن ومضات تحسيسية موجهة للأطفال والأسر إلى جانب برمجة قافلة صحية تحت شعار «صحتك أولاً» حيث توفر فضاءات إصغاء ودعم نفسي خاصة في المناطق الأكثر حاجة مع التأكيد على أن لا يكون نشاط هذا البرنامج مجرّد حملة موسمية بل سيكون متواصلا على مدار السنة فيما تمّ إقرار حزمة إجراءات أمنية ميدانية لتكثيف الدوريات في محيط المؤسسات التربوية خلال ساعات الدخول والخروج.
وفي إطار المجهودات المتواصلة للتصدي لظاهرة المخدرات ولمواجهة هذا الواقع لم تكتف الدولة بالمقاربة الأمنية وحدها بل تخوض إدارة الشرطة العدلية معركة موازية تخص تنقيح قانون المخدرات الصادر سنة 1992 لتزويد الفرق المختصة بآليات جديدة من بينها اعتراض الاتصالات واختراق الشبكات الرقمية التي تستخدمها هذه العصابات في التنسيق في ما بينها وكان آخر تعديل للقانون سنة 2017.
حيث صرح في هذا السياق رئيس مصلحة مكافحة المخدرات بإدارة الشرطة العدلية بالقرجاني محمد علي الشعيبي أن التنقيحات المقترحة تهدف إلى إقرار آليات قانونية جديدة لتفكيك شبكات المخدرات من بينها اعتماد طرق تحرّ خاصة كاعتراض الاتصالات والاختراق.
كما أشار إلى أن آخر تنقيح جزئي للقانون تم سنة 2017 ومنح القضاة سلطة تقديرية في تطبيق ظروف التخفيف في بعض قضايا الاستهلاك مع الإبقاء على العقوبات المشددة بحق المروّجين والمهرّبين.
وبذلك تكون استراتيجية الدولة قائمة على محورين أساسييْن وشقّيْن متلازمين أولهما ضرب العرض أو طرق الإمداد عبر تشديد الرقابة على المعابر والطرقات والأسواق فيما يتمثل المحور الثاني من الاستراتيجية في خفض الطلب وذلك بتقوية جهاز مناعة الشباب ضد هذه الآفات والسموم عبر مجهود تشاركي يشمل الأسرة والمدرسة والإعلام.
وبين ديوانة تلاحق الشحنات عند كل معبر وشرطة عدلية تفكك الشبكات وتطالب بترسانة قانونية أحدث ومبادرات وقائية تدخل الفصل الدراسي لأول مرة بهذا الشكل المنهجي، يبدو أن تونس أدركت أن معركتها مع المخدرات لم تعد معركة حدود فقط بل معركة داخلية تُخاض اليوم في الموانئ والطرقات بالإضافة إلى الاهتمام بالمؤسسات التربوية حتى تحمي الأجيال والمجتمع من مخاطر هذه الآفات والسموم.
إستعدادات حثيثة للعودة المدرسية..
في خضّم الاستعدادات السنوية المتعلقة بالعودة المدرسية، تتحرك مختلف الأطراف المعنية من أجل …







