مشروع مجلّة المياه في طريقه إلى مجلس الوزراء توجّه حكومي لإصلاح منظومة التّصرف في الموارد المائية
الصحافة اليوم: سميحة الهلالي
تقترب تونس من فتح صفحة جديدة في تنظيم قطاعها المائي، إذ أكدت وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري أن مشروع مجلة المياه بلغ في صيغته المعدّلة مرحلة متقدمة تؤهله للعرض على أنظار مجلس الوزراء في الآجال القريبة، تمهيدا لإحالته لاحقا إلى مجلس نواب الشعب للمصادقة.
جاء ذلك في ردّ كتابي من وزير الفلاحة عز الدين بن الشيخ على سؤال مقدم من أحد النواب،حيث ذكر أنه إثر سلسلة من الجلسات التنسيقية بين مختلف الوزارات والهياكل المعنية، تمت إحالة الصيغة المعدلة من المشروع إلى المصالح المختصة بتاريخ الثلاثين من جوان 2026 مضيفا أن هذه الصيغة الجديدة أخذت بعين الاعتبار ملاحظات الأطراف المتداخلة، بما يستوفي الشروط اللازمة لعرضها على مجلس الوزراء قبل إحالتها إلى البرلمان.
يُذكر أن تحديث المجلة شمل القانون الأساسي المنظم لقطاع المياه كما تضمنت الصيغة الجديدة أيضا مسودة أولية لمشاريع النصوص التطبيقية للمجلة، إلى جانب مذكرة تفصيلية تشرح الأحكام المستحدثة وتعكس، بحسب الوزير، البعد الإصلاحي والتجديدي الذي يقوم عليه المشروع برمّته.
وتحمل مجلة المياه الجديدة، التي ستحلّ محلّ نص تشريعي يعود إلى سنة 1975، فلسفة مختلفة تماما عن سابقتها، إذ تنتقل من مقاربة تقليدية قائمة على مجرد التصرف في الموارد إلى مقاربة جديدة أساسها الحوكمة الرشيدة والتصرف المندمج أي على شراكة فعلية بين كل الأطراف المتداخلة في القطاع، من دولة ومؤسسات عمومية وفلاحين ومجتمع مدني.
كما تنسجم المجلة الجديدة مع الاتفاقيات الدولية في مجال المياه، وتراعي معطيات التغيرات المناخية التي باتت تفرض نفسها بقوة على واقع الموارد المائية في البلاد.
ولا يمكن فصل هذا الإصلاح التشريعي عن واقع مائي صعب تعيشه تونس منذ سنوات، إذ يصنف الخبراء الدول التي يقل فيها نصيب الفرد من المياه عن ألف متر مكعب سنويا ضمن خانة الفقر المائي، فيما تصنف الدول التي يقل فيها هذا النصيب عن خمسمائة متر مكعب ضمن خانة الشح المائي.
وهي الخانة التي تندرج ضمنها تونس منذ سنوات، حيث لا يتجاوز نصيب الفرد الواحد من الموارد المائية بضع مئات من الأمتار المكعبة سنويا فقط وتزيد من حدة هذا الوضع مؤشرات ظرفية مقلقة، إذ لا تتجاوز النسبة العامة لامتلاء السدود التونسية اليوم ثلاثة وستين بالمائة، فيما لا يتعدى عدد السدود التي بلغ مخزونها مائة بالمائة ثلاثة سدود فقط على المستوى الوطني، في حين لا تتجاوز نسبة امتلاء سدود منطقة الوسط عشرين بالمائة، وهو ما يضع البلاد أمام تحديات فعلية في تأمين مواردها المائية للشرب والفلاحة على حد سواء.
وفي هذا السياق تكتسي مجلة المياه الجديدة أهميتها، فهي تسعى إلى سد الثغرات التي راكمها عقد المياه القديم عبر توفير آليات قانونية أكثر مرونة وفاعلية، من ذلك إمكانية إعلان حالات الطوارئ المائية في الظروف الاستثنائية، وإحداث آليات رقابية متخصصة لمعاينة المخالفات المتعلقة بالملك العمومي للمياه، فضلا عن تنظيم أدق لمسائل حساسة مثل تجارة المياه المحلاة المعدة للشرب، بما يحمي حق المواطن الدستوري في الحصول على ماء صالح للشرب بجودة مضمونة وأسعار في متناول الفئات المتوسطة والضعيفة.
كما يندرج هذا المسار التشريعي ضمن توجّه حكومي أوسع لإصلاح منظومة التصرف في الموارد المائية، تجسد أيضا من خلال اعتماد خطط عمل لتحفيز الاستمطار الاصطناعي بالتعاون بين عدة وزارات، ومشاريع لإعادة تأهيل شبكات إمدادات مياه الشرب في المناطق الريفية في إطار سياسة تروم معالجة إخلالات تراكمت طيلة سنوات من التأخير في مراجعة الإطار القانوني للقطاع.
ومن المنتظر أن يشكل استكمال المسار التشريعي لمجلة المياه، بعد طول انتظار، خطوة فعلية نحو حوكمة أكثر شفافية ونجاعة لقطاع استراتيجي يمسّ الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في آن واحد بما يترجم فعليا الطموح الإصلاحي الذي حملته مختلف الصيغ المتعاقبة لهذا المشروع منذ سنوات.
مجلس وزاري مضيّق يتابع تعزيز شبكة الطرقات السّيارة من أجل ضمان جودة الخدمات ودفع التنمية..
الصحافة اليوم: سميحة الهلالي في إطار حرص الدولة على تعزيز شبكة الطر…
