تونس تعزّز جهودها لمكافحة المخدّرات نحو إرساء مقاربة شاملة ومتعدّدة الأبعاد
الصحافة اليوم : سميحة الهلالي
في إطار الجهود المتواصلة للتّصدي لظاهرة ترويج المخدرات وتعقّب الشبكات الإجرامية أعلنت وزارة الداخلية عن تفكيك شبكتين إجراميتين دوليتين خطيرتين كانتا تنشطان في ترويج المخدرات وتبييض الأموال والابتزاز والقتل المأجور، وبالتنسيق مع النيابة العمومية أسفرت عن إيقاف 25 شخصا، وحجز سيارات فاخرة ودراجات نارية ومراكب ترفيهية، إلى جانب كميات من المخدرات ومبالغ مالية مشبوهة.
هذا الإنجاز ليس حدثا معزولا، بل يمثل حلقة في سلسلة طويلة من المواجهات التي تخوضها تونس في حربها ضد المخدرات التي استفحلت في السنوات الأخيرة.
ففي إطار حربها على المخدرات تحرص تونس على إرساء مقاربة شاملة متعددة الأبعاد فقد شهدت الساحة التشريعية في السنوات الأخيرة،نقاشات حول تنقيح القوانين وتحيينها بهدف تعزيز الجانب الردعي، باقتراح أحكام تصل أحيانا إلى السجن مدى الحياة في الحالات الخطيرة، مع التركيز على حماية الشباب من خلال برامج للتوعية والإحاطة.
وتندرج هذه المقاربة متعددة الأبعاد في إطار المساعي الحثيثة والجهود المكثفة لوضع حد لهذه الظاهرة التي باتت تمثل تهديدا يستهدف الشباب خاصة في المدن مثل ولايات تونس الكبرى وبن عروس وأريانة وغيرها من المدن الكبرى.
والأخطر من ذلك أن المخدرات لم تعد مجرد مادة تُروّج للاستهلاك أو الاتّجار، بل أصبحت أداة لتمويل جرائم أخرى أكثر خطورة وفتكًا مثل الابتزاز والقتل المأجور، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي والأمني ذلك ما يُستشفّ من ارتفاع معدل الجريمة وتنوعها من خلال إحصائيات وزارة الداخلية التي تكشف عن ارتفاع ملحوظ في عدد القضايا، حيث سجلت سنة 2025 أكثر من 14 ألف قضية و20 ألف موقوف، مما يعكس حجم الاستفحال الذي غذّته الشبكات الدولية.
وفي المقابل، تدعو بعض المقترحات إلى تخفيف العقوبات على المستهلكين البسطاء لتوفير فرص علاج بدلا من السجن، مع الحفاظ على الشدة والصرامة ضد التجار الكبار وهو ما يدفع إلى الإقرار بأن أوجه المواجهة المفتوحة مع المخدرات، ومستويات التصدي لهذه الآفة الخطيرة تعكس وعيا مجتمعيا وأمنيا وقانونيا بضرورة إرساء مقاربة شاملة تجمع بين الردع والوقاية.
في هذا الصدد أكد رئيس لجنة التشريع العام النائب فوزي دعاس في تصريح لـاالصحافة اليومب أن محاربة المخدّرات والتصدي لها يعدّ من أوكد الأولويات بالبرلمان وقد انتظمت العديد من الجلسات في هذا الشأن للنظر في مقترح قانون يهدف إلى تنقيح القانون رقم 52 لسنة 1992 المتعلق بمكافحة جرائم المخدرات.
وقد ذهب شقّ كبير من النواب إلى ضرورة تنقيح القانون رقم 52 لسنة 1992 لتطوير استخدام جميع الوسائل المتاحة لاختراق شبكات الترويج، والاعتماد على التقنيات الحديثة لمراقبة تحركات العناصر وأنشطتها المتعلقة بالترويج والاستهلاك وهو ما سيعزز من قدرة الجهات الأمنية ويضفي على تدخلاتها نجاعة أكبر لاختراق هذه الشبكات وهو بدوره ما سيتيح لها التدخل المبكر.
ولفت محدثنا الى أنه ونظرا للبعد الاجتماعي للمقترح وباعتبار وضع حدّ لمروّجي المخدرات مطلبا شعبيا ملحّا، ونظرا لتفشي الجريمة وتفاقمها، فقد اعتبرت اللجنة ان تنقيح القانون المذكور من أوكد الملفات التي يجب استحثاث النظر فيها ودراستها.
وأشار دعاس في الآن ذاته الى الحاجة الأكيدة إلى مقاربة شاملة تجمع بين التشريع الحازم والرادع من جهة والبرامج الاجتماعية لمعالجة الأسباب الجذرية في الجهة المقابلة.والتوفيق بين الزجر والإصلاح لضمان نجاعة طويلة الأمد أملا في أن تساهم في بناء مجتمع أكثر أمناً.
ومع ذلك، شدّد محدثنا على أن التنقيحات لا تكفي وحدها بل يجب رفدها و دمجها مع برامج تربوية وثقافية لمعالجة الأسباب الجذرية، و دمج مقاربات متعددة، مما يمكن من تحقيق الاستقرار المجتمعي وهو جهد جماعي يتجاوز حدود التشريعات ومكافحة المخدرات مسؤولية مشتركة.
وأبرز دعاس في السياق ذاته ان الأسبوع القادم ستكون هناك جلسة استماع وسيتم بعدها إحالة المقترح الى الجلسة العامة بالبرلمان.
في السياق ذاته جدير بالذكر أن الأجهزة الأمنية تواصل القيام بعمليات نوعية بالتنسيق الدولي لتجفيف منابع التمويل وتفكيك الشبكات ولعلّ من أبرز هذه العمليات كانت تلك التي نفذت في بن عروس في ماي 2025، حيث تم تفكيك شبكتين دوليتين تنشطان بين تونس ودول أوروبية وعربية، مع حجز كميات ضخمة من القنب الهندي (الزطلة) ومخدر الإكستازي كما أحبطت وحدات الحرس الوطني بإقليم أريانة شبكة دولية تضم أربعة أجانب وتونسيا، كانت تستخدم شققا سكنية كمختبرات لتصنيع حوالي 10 ملايين قرص مخدر وتم إثر العملية حجز نحو 14 ألف قرص جاهز للاستهلاك وآلات صناعية ومواد أولية وثلاث سيارات، مع كشف أساليب تمويه متقدمة مثل إخفاء المخدرات داخل علب هدايا وتهريبها عبر سيارات الأجرة.
كما لم تقتصر الجهود على التفكيك فحسب، بل امتدت إلى حجز أصول مالية وممتلكات فاخرة متأتية من عائدات الجريمة، مما يضرب في الصميم اقتصاد هذه الشبكات.
إذن تواجه بلادنا اليوم تحدّيا وجوديا يهدد شبابها واستقرارها، لكن الجهود الأمنية والقضائية والتشريعية تثبت يوما بعد يوم إرادة قوية في المواجهة. والنجاح فيها يتطلب تضافر جهود الدولة مع المجتمع المدني والأسر، من خلال التوعية المستمرة والبرامج الوقائية في المدارس والأحياء لأن قضية المخدرات ليست مشكلة فردية، بل تهديد جماعي مرتبط بالجريمة المنظمة العابرة للحدود.
المنتدى التونسي ـ الجزائري: نحو فتح آفاق جديدة للتّعاون الاقتصادي
الصحافة اليوم: سميحة الهلالي تستعد ولاية قفصة لاحتضان المنتدى التونس…
