عاطف الطيب.. المخرج الذي وثّق انهيار الطبقة المتوسطة قبل أن يحدث فعلا
مرّت أمس ذكرى رحيل المخرج المصري عاطف الطيب، لكن أعماله تبدو اليوم أكثر حضورا أكثر من أي وقت مضى. فالرجل الذي رحل سنة 1995 لم يكن مجرد صانع أفلام، بل كان مؤرخاً اجتماعياً قرأ مبكراً ملامح التحولات التي ستصيب المجتمعات العربية، وفي مقدمتها الطبقة المتوسطة.
لم يكن عاطف الطيب منشغلاً بعالم النجوم بقدر انشغاله بالإنسان العادي ذلك الموظف أو العامل أو المحامي أو الجندي الذي يجد نفسه في مواجهة منظومة اجتماعية واقتصادية تُضيّق الخناق على أحلامه.
كان يدرك أن الطبقة المتوسطة ليست مجرد شريحة اجتماعية، بل هي صمّام أمان الدولة الحديثة، لأنها حاملة لقيم التعليم والعمل والانضباط والاستقرار. لذلك جعلها بطلة مشروعه السينمائي.
في فيلم سواق الأتوبيس، الذي يعدّ من أهم أفلام السينما العربية، يروي حكاية حسن، السائق الذي يكافح لإنقاذ ورشة والده من الإفلاس. لكن القصة لم تكن قصة فرد بقدر ما كانت تشريحاً لمجتمع بدأت فيه القيم الجماعية تتراجع أمام منطق الربح والخسارة. لقد تحوّل البطل إلى رمز لجيل كامل وجد نفسه وحيداً في مواجهة التحولات الاقتصادية.
أما في فيلم الحب فوق هضبة الهرم، المقتبس عن قصة للأديب نجيب محفوظ، فقد تناول أزمة الشباب المنتمي إلى الطبقة المتوسطة الذي أصبح عاجزاً حتى عن تأسيس أسرة بسبب الضائقة الاقتصادية. هنا، لم يعد الحب قضية عاطفية، بل تحوّل إلى قضية اجتماعية تكشف انسداد الأفق أمام جيل كامل.
وفي البريء، يذهب عاطف الطيب إلى أبعد من ذلك، حيث يقدّم شخصية الجندي البسيط الذي يتحول إلى أداة داخل منظومة السلطة دون أن يدرك طبيعة الصراع الذي يُزجّ فيه. إنه فيلم عن هشاشة الإنسان حين يُسلب وعيه ويُختزل إلى مجرد منفّذ للأوامر.
أما فيلم ضد الحكومة، فقد قدّم واحداً من أهم النصوص السينمائية العربية حول العدالة الاجتماعية. فالمحامي الانتهازي الذي يجسّده أحمد زكي يتحوّل تدريجياً إلى ضمير المجتمع بعد حادث مأساوي يفضح نتائج الفساد والإهمال. ولا تزال جملته الشهيرة تتردد إلى اليوم: “كلنا فاسدون.. لا أستثني أحداً”، لأنها لم تكن اتهاماً لأفراد بقدر ما كانت تشخيصاً لبنية اجتماعية كاملة.
وفي ليلة ساخنة، آخر أفلامه، يرسم صورة قاتمة لمصر التسعينيات سائق تاكسي وامرأة مهمّشة يتجولان في مدينة أنهكتها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. هنا تبدو القاهرة نفسها بطلة للفيلم، مدينة تتآكل فيها أحلام الطبقة الوسطى بصمت.
وإذا كان عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو قد تحدث عن إعادة إنتاج اللامساواة الاجتماعية وتآكل الرأسمال الثقافي، فإن عاطف الطيب قدّم هذه الأفكار بالصورة السينمائية قبل أن تتحول إلى نقاشات أكاديمية واسعة. لقد فهم مبكراً أن انهيار الطبقة المتوسطة لا يعني فقط تراجع مستوى الدخل، بل يعني أيضاً انهيار منظومة القيم التي تحفظ توازن المجتمع.
ولعلّ ما يمنح أعماله راهنية استثنائية اليوم، هو أن الأسئلة التي طرحها لا تزال قائمة: ماذا يحدث عندما يصبح التعليم عاجزاً عن ضمان الارتقاء الاجتماعي؟ ماذا يحدث عندما يتحول السكن والزواج والعمل إلى أحلام بعيدة المنال؟ وماذا يحدث عندما يشعر المواطن العادي بأن الدولة لم تعد قادرة على حمايته؟
بعد أكثر من ثلاثة عقود، تبدو أفلام عاطف الطيب وكأنها كُتبت لزمننا الراهن. لقد كان شاهداً على بداية أزمة كبرى، وأدرك أن مصير المجتمعات لا يتحدد من قصور الأغنياء، بل من قدرة الطبقة المتوسطة على الصمود.
لهذا لم يكن عاطف الطيب مجرد مخرج سينمائي، بل كان ضميراً اجتماعياً قرأ المستقبل مبكراً، وحوّل الكاميرا إلى أداة لفهم الإنسان العربي وهو يخوض معركته اليومية من أجل الكرامة.
الجيش الوطني في الذكرى السبعين لانبعاثه : قوة هادئة تصون الوطن وتحرس السيادة
في الرابع والعشرين من جوان من كل سنة، تستحضر تونس محطة مفصلية في تاريخها المعاصر ، تتمثل ف…








