عن جدل المساس بالمقدسات : حتى لا تتخلى الجامعة عن لغتها
الجامعة هي الضمير النقدي للمجتمع. فيها يتعلم الناس كيف يسألون قبل أن يصدروا احكاما ، وكيف يختلفون دون أن يسقطوا في فخ إهانة الغير وكيف يميزون بين البحث عن الحقيقة والرغبة في إثارة الضجيج. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يصيب الجامعة هو قطعا انحدار لغتها..
لقد أثار الجدل الأخير الذي رافق تدوينة لإحدى الأكاديميات التونسيات، تضمنت عبارات ساخرة في تناول شخصية السيدة عائشة، أم المؤمنين، سؤالًا يتجاوز الواقعة نفسها: ما الذي يحدث حين يغادر الخطاب الأكاديمي فضاء البرهان إلى فضاء الاستفزاز؟
ليس المقصود هنا تحريم البحث في التاريخ الإسلامي، ولا وضع الشخصيات التاريخية خارج دائرة الدراسة والنقد. فالحضارات الحية لا تخشى إعادة قراءة تاريخها، والبحث العلمي لا يعرف مناطق محرمة إذا التزم المنهج واحترم قواعد المعرفة. غير أن النقد شيء، والاستخفاف بالمقدسات أو السخرية منها شيء آخر. فحين يفقد الباحث لغته العلمية، يصبح أقرب إلى صانع جدل منه إلى منتج معرفة.
إن الحرية الأكاديمية ليست امتيازًا شخصيًا، وإنما مسؤولية ثقيلة. وهي لا تقاس بقدرة الباحث على كسر المحظورات، بل بقدرته على بناء الحجة وإقناع المختلف معه. أما السخرية، فهي غالبًا إعلان عن عجز الخطاب عن إنتاج الدليل. فالبرهان لا يحتاج إلى التهكم، والحقيقة لا تستقوي بالاستهزاء.
وليس من الحكمة أيضًا أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة يختلط فيها البحث العلمي بمنطق “الترند”. فهذه المنصات تكافئ الصدمة أكثر مما تكافئ الفكرة، وتمنح الانتشار لما يثير الانفعال لا لما يعمق الفهم. وعندما ينساق الأكاديمي وراء هذه الآلية، فإنه يخسر جزءًا من رمزيته العلمية، لأن الجامعة مطالبة بأن ترتفع بالنقاش العام، لا أن تنحدر إلى مستواه الأكثر انفعالًا.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن المقدسات لا ينبغي أن يكون مدخلًا إلى إلغاء الحوار أو التضييق على البحث العلمي. فالمجتمعات الواثقة من نفسها هي التي ترد على الفكرة بالفكرة، وعلى الحجة بالحجة، لا بالغضب وحده. لكن هذا لا يعفي الباحث من واجبه الأخلاقي في اختيار اللغة التي تحترم مشاعر المجتمع، دون أن تتخلى عن صرامة البحث.
لقد أدرك كبار المفكرين أن قوة الكلمة ليست فيما تهدمه، بل فيما تبنيه. ولذلك كانت الحكمة قرينة العلم، وكان الوقار قرين المعرفة. وما أحوجنا اليوم إلى استعادة هذا المعنى، في زمن صار فيه الاستفزاز طريقًا سريعًا إلى الشهرة، بينما يحتاج التفكير الهادئ إلى صبر لا يملكه كثيرون.
إن الجامعة لا تُقاس بعدد بحوثها فقط، بل بالنموذج الأخلاقي الذي تقدمه للمجتمع. فإذا أصبحت السخرية بديلًا عن التحليل، والاستفزاز بديلًا عن البرهان، فقدت رسالتها الأساسية. وحينها لن تكون الخسارة خسارة مؤسسة تعليمية فحسب، بل خسارة للمجتمع كله، لأنه يفقد آخر الحصون التي كان يفترض أن تحرس العقل، وتؤدب الاختلاف، وتمنح الحقيقة هيبتها.
ملف وفاة النائب السابق الجيلاني الدبوسي: الشروع في محاكمة المتهمين
شرعت ظهر اليوم الجمعة الدائرة الجنائية بمحكمة الإستئناف بتونس في استنطاق المتهمبت في القضي…









