2026-06-28

لهذه الأسباب لم يكن مسلسل ” ممكن ” مقنعا….

لطالما راهنت الدراما الرومانسية على فكرة بسيطة لكنها شديدة التأثير: قد يهرب الإنسان من حياة تبدو كاملة إلى شخص يمنحه شعورا مختلفا بالحياة. إنها الفكرة التي خلّدها فيلم
Pretty Woman
ومنها استلهم مسلسل ممكن الذي انتهى مؤخرا فكرته
ومن الصعب متابعته دون أن تعود إلى الذهن قصة الفيلم الذي عُرض سنة 1990، وقام ببطولته الثنائي الأشهر آنذاك جوليا روبرتس وريتشارد غير.و حقق الفيلم نجاحًا استثنائيًا، تجاوزت إيراداته 460 مليون دولار حول العالم، وحوّل جوليا روبرتس إلى نجمة الصف الأول في هوليوود، كما رُشحت بفضله لجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة.
، وتدور قصته حول وقوع البطل الثري والوسيم في حب البطلة لا لأنها الأجمل أو الأكثر أناقة، بل لأنها كانت عفوية، تلقائية، صادقة، وغير أسيرة المظاهر. لقد منحته إحساسا بالحياة افتقده وسط عالم المال والبروتوكولات.
ورغم أن الفيلم يبدو في ظاهره قصة حب بين رجل أعمال شديد الثراء وامرأة بسيطة تعمل في ظروف اجتماعية قاسية، فإن نجاحه الحقيقي لم يكن في الحكاية نفسها، بل في الفكرة التي دافع عنها. فقد وقع رجل يملك المال والنفوذ والوجاهة في حب امرأة لم تكن الأجمل ولا الأكثر أناقة، لكنها كانت تلقائية، صادقة، مرحة، وعفوية. لقد أحب فيها الحياة التي افتقدها وسط عالم تحكمه الحسابات والمظاهر.
هذه الفكرة نفسها حاول المسلسل اللبناني ممكن حاولوا الاستلهام من هذه التيمة في علاقة زياد و نور اللذين يقوم بدورهما ظافر العابدين و نادين نسيب نجيم.
الا أن التنفيذ الدرامي لم ينجح في إقناع المشاهد. فمن الصعب تصديق أن رجلا يمتلك كل مقومات النجاح والاستقرار سيهجر زوجته لينجذب إلى شخصية لم تُقدَّم على الشاشة باعتبارها نقيضا لعالمه، بل بدت هي الأخرى ابنة المظهر والاهتمام بالشكل أكثر من الجوهر..
و كان يفترض أن تمثل نور ملاذا إنسانيا، وأن تجسد البساطة التي افتقدها زياد في حياته، لكن الشخصية افتقدت تلك العفوية التي تجعل المشاهد يتفهم دوافع البطل. لذلك بدا التحول العاطفي سريعا وغير مؤسس دراميا، وكأن السيناريو طلب من الجمهور أن يصدق الحب دون أن يمنحه الأسباب الكافية لذلك..
ويزيد الأمر تعقيدا أن الصورة البصرية للشخصية لم تخدم هذا الاختيار. فالملامح التي بدت شديدة العناية والتغيير التجميلي لم تنسجم مع شخصية يفترض أن تستمد جاذبيتها من طبيعتها وبساطتها. وليس المقصود هنا الحكم على خيارات الفنانة نادين نسيب نجيم الشخصية أو الجمالية، وإنما الإشارة إلى أن نجاح أي دور يعتمد على مدى انسجام مظهر الممثل مع الشخصية التي يؤديها. ففي الدراما، لا يكفي الأداء وحده إذا كانت الصورة تناقض الفكرة التي يريد النص ترسيخها..
و المفارقة الغريبة أن زوجته، التي جسدتها الممثلة زينة مكي، بدت – على الأقل من حيث الصورة الخارجية – أقرب إلى الشخصية الطبيعية والبسيطة التي يفترض أن يبحث عنها رجل ضاق بعالم المظاهر. أما نور، التي أدتها نادين نسيب نجيم، فقد ظهرت بإطلالة شديدة العناية وبملامح يصعب فصلها عن أثر عمليات التجميل المتعددة، وهو ما خلق، في نظر كثير من المشاهدين، تناقضًا بين الشكل الذي تقدمه الشخصية والفكرة التي أراد النص إيصالها.
فإذا كان الفيلم الأمريكي المذكور لم يراهن في نجاحه على جاذبية الوجه بقدر ما كانت جاذبية الروح ودفئها هي الرهان . فالبطل لم يهرب إلى امرأة أكثر جمالا، بل إلى امرأة أكثر حياة. أما في “ممكن”، فقد غابت هذه المعادلة، ففقدت العلاقة عنصرها الأكثر إقناعا، وتحولت النهاية إلى خيار درامي لم ينجح في كسب تعاطف جزء من الجمهور..
وربما كانت المشكلة الحقيقية في “ممكن” أن صناع العمل استعاروا الفكرة، لكنهم لم يستعيروا روحها. فالعلاقات التي تبقى في ذاكرة المشاهد لا تُبنى على الوجوه الجميلة وحدها، بل على شخصيات تمنحنا سببا منطقيا لنؤمن بأن الحب قادر فعلا على تغيير مسار الحياة
تماما كما ان الفارق الجوهري يكمن في أن الفيلم منح المشاهد أسبابًا كثيرة لفهم هذا التحول، بينما اكتفى المسلسل بطلب تصديقه.
والسؤال الذي فرض نفسه وطرح الكثير من المشاهدين مع الحلقة الأخيرة هو: ماذا وجدت شخصية زياد في نور حتى يترك من أجلها حياة مستقرة وزوجة أحبته؟

‫شاهد أيضًا‬

عن جدل المساس بالمقدسات : حتى لا تتخلى الجامعة عن لغتها

الجامعة هي الضمير النقدي للمجتمع. فيها يتعلم الناس كيف يسألون قبل أن يصدروا احكاما ، وكيف …