2026-07-15

الرّقمنة‭ ‬تحت‭ ‬الضغط‭:‬ اكلمة‭ ‬السرّب‭ ‬تعطّل‭ ‬أولى‭ ‬خطوات‭ ‬الطالب‭ ‬نحو‭ ‬الجامعة

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي

لم‭ ‬تكد‭ ‬فرحة‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الناجحين‭ ‬في‭ ‬امتحان‭ ‬الباكالوريا‭ ‬2026‭ ‬تكتمل،‭ ‬حتى‭ ‬وجد‭ ‬عدد‭ ‬منهم‭ ‬أنفسهم‭ ‬أمام‭ ‬عقبة‭ ‬تقنية‭ ‬غير‭ ‬متوقعة‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬تعطل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬كلمات‭ ‬السر‭ ‬الخاصة‭ ‬بحساباتهم‭ ‬الجامعية‭ ‬وهي‭ ‬الخطوة‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬لهم‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬التوجيه‭ ‬الجامعي‭ ‬واختيار‭ ‬الاختصاصات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬سيواصلون‭ ‬فيها‭ ‬مسارهم‭ ‬الأكاديمي‭. ‬وبين‭ ‬شاشات‭ ‬لا‭ ‬تستجيب‭ ‬ورسائل‭ ‬انتظار‭ ‬تتكرر،‭ ‬تحولت‭ ‬لحظة‭ ‬كان‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بداية‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬قلق‭ ‬وتوتر‭ ‬بالنسبة‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬التلاميذ‭ ‬وأوليائهم‭.‬

فالمنظومات‭ ‬الرقمية‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للإدارة‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬القطاعات،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬العالي،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬هذه‭ ‬المنظومات‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬فقط‭ ‬بحداثة‭ ‬تصميمها‭ ‬أو‭ ‬رقمنة‭ ‬خدماتها،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬الضغط‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الفترات‭ ‬الحساسة‭ ‬التي‭ ‬يتزامن‭ ‬فيها‭ ‬دخول‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المستخدمين‭ ‬إلى‭ ‬الموقع‭ ‬ذاته‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬قصيرة‭.‬

ومع‭ ‬انطلاق‭ ‬إجراءات‭ ‬التوجيه‭ ‬الجامعي،‭ ‬يتهافت‭ ‬الناجحون‭ ‬في‭ ‬الباكالوريا‭ ‬في‭ ‬توقيت‭ ‬متقارب‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬كلمات‭ ‬السر‭ ‬وتجربة‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬حساباتهم‭ ‬الشخصية‭ ‬استعدادا‭ ‬لاختيار‭ ‬الشعب‭ ‬الجامعية‭. ‬هذا‭ ‬الإقبال‭ ‬المكثف‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬إلى‭ ‬بطء‭ ‬الخدمات‭ ‬الرقمية‭ ‬أو‭ ‬تعطل‭ ‬بعضها‭ ‬مؤقتا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬موجة‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭ ‬والانتقادات‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأعطال‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬ظرفية‭ ‬ولا‭ ‬تعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬وجود‭ ‬خلل‭ ‬دائم‭ ‬في‭ ‬المنظومة،‭ ‬فإن‭ ‬تأثيرها‭ ‬النفسي‭ ‬يكون‭ ‬كبيرا‭ ‬على‭ ‬التلاميذ‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬أصلا‭ ‬ضغطا‭ ‬استثنائيا‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الاستعداد‭ ‬للامتحانات‭. ‬فكل‭ ‬دقيقة‭ ‬تأخير‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬كلمة‭ ‬السر‭ ‬تثير‭ ‬مخاوف‭ ‬من‭ ‬ضياع‭ ‬الآجال‭ ‬أو‭ ‬فقدان‭ ‬فرصة‭ ‬التسجيل،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬الجهات‭ ‬المشرفة‭ ‬تؤكد‭ ‬عادة‭ ‬أن‭ ‬حقوق‭ ‬جميع‭ ‬المترشحين‭ ‬محفوظة‭ ‬وأن‭ ‬الآجال‭ ‬تؤخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬عند‭ ‬حدوث‭ ‬إشكاليات‭ ‬تقنية‭.‬

ولئن‭ ‬أصبحت‭ ‬الرقمنة‭ ‬خيارا‭ ‬استراتيجيا‭ ‬للدولة‭ ‬في‭ ‬تقريب‭ ‬الخدمات‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬الورقية،‭ ‬فإنها‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬تفرض‭ ‬استثمارات‭ ‬متواصلة‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الرقمية‭. ‬فالمشكل‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬غالبا‭ ‬بالبرمجيات‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضا‭ ‬بطاقة‭ ‬استيعاب‭ ‬الخوادم‭ ‬وسرعة‭ ‬معالجة‭ ‬الطلبات‭ ‬وتوزيع‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مركز‭ ‬بيانات،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬إجراء‭ ‬اختبارات‭ ‬مسبقة‭ ‬تحاكي‭ ‬سيناريوهات‭ ‬الاستخدام‭ ‬المكثف‭ ‬قبل‭ ‬فتح‭ ‬المنصات‭ ‬أمام‭ ‬العموم‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬التوجيه‭ ‬الجامعي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬يتكرر‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬الخدمات‭ ‬الرقمية‭ ‬بتونس‭.‬

‭ ‬فكثيرا‭ ‬ما‭ ‬يشهد‭ ‬المواطنون‭ ‬بط‭ ‬أو‭ ‬انقطاعا‭ ‬عند‭ ‬فتح‭ ‬منصات‭ ‬التسجيل‭ ‬في‭ ‬المناظرات‭ ‬الوطنية،‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬الإدارية‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬أو‭ ‬استخراج‭ ‬الوثائق،‭ ‬أو‭ ‬التسجيل‭ ‬في‭ ‬البرامج‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬خاصة‭ ‬خلال‭ ‬الساعات‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬انطلاق‭ ‬الخدمات،‭ ‬حين‭ ‬يتدفق‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المستخدمين‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭.‬

إن‭ ‬الضغط‭ ‬المفاجئ‭ ‬على‭ ‬المواقع‭ ‬الإلكترونية‭ ‬يمثل‭ ‬تحديا‭ ‬تقنيا،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تجاوزه‭ ‬يتطلب‭ ‬استعدادا‭ ‬استباقيا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توسيع‭ ‬قدرات‭ ‬الاستضافة‭  ‬واعتماد‭ ‬تقنيات‭ ‬متطورة‭  ‬واللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الحوسبة‭ ‬السحابية‭ ‬عند‭ ‬الحاجة،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬استمرارية‭ ‬الخدمة‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬الذروة‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬تحسين‭ ‬تجربة‭ ‬المستخدم‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬التقني‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬أيضا‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬المواطنين‭. ‬فحين‭ ‬يتعرض‭ ‬الموقع‭ ‬إلى‭ ‬ضغط‭ ‬استثنائي،‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬إصدار‭ ‬توضيحات‭ ‬سريعة‭ ‬عبر‭ ‬القنوات‭ ‬الرسمية‭ ‬تطمئن‭ ‬المستخدمين‭ ‬وتبين‭ ‬طبيعة‭ ‬الإشكال‭ ‬والإجراءات‭ ‬المتخذة‭ ‬لمعالجته،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تنتشر‭ ‬الإشاعات‭ ‬أو‭ ‬تتفاقم‭ ‬حالة‭ ‬الارتباك‭.‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬تكشف‭ ‬هذه‭ ‬الأعطال‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬إطلاق‭ ‬منصة‭ ‬إلكترونية،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تشمل‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والموارد‭ ‬البشرية‭ ‬والصيانة‭  ‬الدورية‭  ‬والتحديث‭ ‬المستمر‭ ‬وخطط‭ ‬الطوارئ‭. ‬فالخدمة‭ ‬الرقمية‭ ‬الناجحة‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬بكفاءة‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬العادية‭  ‬وتواصل‭ ‬أداءها‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬الفترات‭ ‬ازدحاما‭.‬

وفي‭ ‬انتظار‭ ‬تجاوز‭ ‬هذه‭ ‬الصعوبات،‭ ‬يبقى‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭ ‬ضمان‭ ‬حصول‭ ‬جميع‭ ‬الناجحين‭ ‬على‭ ‬كلمات‭ ‬السر‭ ‬الخاصة‭ ‬بهم‭ ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬الآجال‭ ‬حتى‭ ‬يتمكنوا‭ ‬من‭ ‬استكمال‭ ‬إجراءات‭ ‬التوجيه‭ ‬الجامعي‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬عادية‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

إضراب قطاع النقل غير المنتظم: بين مطالب الزيادة في التعريفة وتفاوت الإلتزام بالإضراب..