الرّقمنة تحت الضغط: اكلمة السرّب تعطّل أولى خطوات الطالب نحو الجامعة
الصحافة اليوم: مصباح الجدي
لم تكد فرحة الكثير من الناجحين في امتحان الباكالوريا 2026 تكتمل، حتى وجد عدد منهم أنفسهم أمام عقبة تقنية غير متوقعة تمثلت في تعطل الحصول على كلمات السر الخاصة بحساباتهم الجامعية وهي الخطوة الأساسية التي تتيح لهم الولوج إلى منظومة التوجيه الجامعي واختيار الاختصاصات والمؤسسات التي سيواصلون فيها مسارهم الأكاديمي. وبين شاشات لا تستجيب ورسائل انتظار تتكرر، تحولت لحظة كان يفترض أن تكون بداية مرحلة جديدة إلى مصدر قلق وتوتر بالنسبة للعديد من التلاميذ وأوليائهم.
فالمنظومات الرقمية أصبحت اليوم العمود الفقري للإدارة التونسية في عديد القطاعات، وخاصة في مجال التربية والتعليم العالي، غير أن نجاح هذه المنظومات لا يقاس فقط بحداثة تصميمها أو رقمنة خدماتها، بل أيضا بقدرتها على تحمل الضغط الكبير في الفترات الحساسة التي يتزامن فيها دخول عشرات الآلاف من المستخدمين إلى الموقع ذاته خلال فترة زمنية قصيرة.
ومع انطلاق إجراءات التوجيه الجامعي، يتهافت الناجحون في الباكالوريا في توقيت متقارب للحصول على كلمات السر وتجربة الدخول إلى حساباتهم الشخصية استعدادا لاختيار الشعب الجامعية. هذا الإقبال المكثف يؤدي في كثير من الأحيان إلى بطء الخدمات الرقمية أو تعطل بعضها مؤقتا، وهو ما يفتح الباب أمام موجة من التساؤلات والانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي.
ورغم أن مثل هذه الأعطال تكون في الغالب ظرفية ولا تعني بالضرورة وجود خلل دائم في المنظومة، فإن تأثيرها النفسي يكون كبيرا على التلاميذ الذين يعيشون أصلا ضغطا استثنائيا بعد أشهر طويلة من الاستعداد للامتحانات. فكل دقيقة تأخير في الحصول على كلمة السر تثير مخاوف من ضياع الآجال أو فقدان فرصة التسجيل، حتى وإن كانت الجهات المشرفة تؤكد عادة أن حقوق جميع المترشحين محفوظة وأن الآجال تؤخذ بعين الاعتبار عند حدوث إشكاليات تقنية.
ولئن أصبحت الرقمنة خيارا استراتيجيا للدولة في تقريب الخدمات من المواطنين والحد من الإجراءات الورقية، فإنها في المقابل تفرض استثمارات متواصلة في البنية التحتية الرقمية. فالمشكل لا يتعلق غالبا بالبرمجيات وحدها، وإنما أيضا بطاقة استيعاب الخوادم وسرعة معالجة الطلبات وتوزيع الضغط على أكثر من مركز بيانات، فضلا عن إجراء اختبارات مسبقة تحاكي سيناريوهات الاستخدام المكثف قبل فتح المنصات أمام العموم.
ولا يقتصر هذا السيناريو على منظومة التوجيه الجامعي فقط، بل أصبح يتكرر في عديد الخدمات الرقمية بتونس.
فكثيرا ما يشهد المواطنون بط أو انقطاعا عند فتح منصات التسجيل في المناظرات الوطنية، أو الخدمات الإدارية الإلكترونية، أو استخراج الوثائق، أو التسجيل في البرامج الاجتماعية، خاصة خلال الساعات الأولى من انطلاق الخدمات، حين يتدفق عدد كبير من المستخدمين في الوقت نفسه.
إن الضغط المفاجئ على المواقع الإلكترونية يمثل تحديا تقنيا، غير أن تجاوزه يتطلب استعدادا استباقيا من خلال توسيع قدرات الاستضافة واعتماد تقنيات متطورة واللجوء إلى الحوسبة السحابية عند الحاجة، بما يضمن استمرارية الخدمة حتى في فترات الذروة.
كما أن تحسين تجربة المستخدم لا يقتصر على الجانب التقني فحسب، بل يشمل أيضا التواصل مع المواطنين. فحين يتعرض الموقع إلى ضغط استثنائي، يكون من المهم إصدار توضيحات سريعة عبر القنوات الرسمية تطمئن المستخدمين وتبين طبيعة الإشكال والإجراءات المتخذة لمعالجته، حتى لا تنتشر الإشاعات أو تتفاقم حالة الارتباك.
ومن جهة أخرى، تكشف هذه الأعطال أن التحول الرقمي ليس مجرد إطلاق منصة إلكترونية، وإنما هو منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية والموارد البشرية والصيانة الدورية والتحديث المستمر وخطط الطوارئ. فالخدمة الرقمية الناجحة هي تلك التي تعمل بكفاءة في الأيام العادية وتواصل أداءها أيضا في أكثر الفترات ازدحاما.
وفي انتظار تجاوز هذه الصعوبات، يبقى الأهم هو ضمان حصول جميع الناجحين على كلمات السر الخاصة بهم في أفضل الآجال حتى يتمكنوا من استكمال إجراءات التوجيه الجامعي في ظروف عادية.
