تدشين محطة تحويل الكهرباء للجهد العالي والمتوسط بمنطقة زعفرانة من أجل كسب رهان الإنتقال الطاقي..
الصحافة اليوم: سناء بن سلامة
من ضمن برنامج يضم 17 مشروعا مماثلا على المستوى الوطني لإنجاز محطات تحويل الكهرباء للجهد العالي والمتوسط، تم أمس الأول تدشين محطة تحويل الكهرباء للجهد العالي والمتوسط بمنطقة زعفرانة من معتمدية القيروان الجنوبية. إذ من المنتظر أن تشمل المراحل القادمة تدشين محطات تحويل مماثلة، وذلك بهدف تغطية مختلف أنحاء البلاد وضمان أمنها الطاقي الشامل.
ويندرج هذا المشروع ضمن التوجهات الكبرى التي تبنّتها الدولة في السنوات الأخيرة، حيث أصبح الانتقال الطاقي أحد المحاور الرئيسية للسياسات العمومية، باعتباره مدخلا لتحقيق الأمن الطاقي وتقليص التبعية في هذا المجال للخارج والحد من كلفة دعمه، خصوصا في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالميا وتزايد الضغط على المالية العمومية. ومن هذا المنطلق يكتسي برنامج إنجاز محطات التحويل الكهربائي أهمية إستراتيجية، اذ أنه يهيئ البنية التحتية الضرورية لاستقبال المشاريع الجديدة في مجال الطاقات المتجددة.
فبعد تدشين محطة زعفرانة بالقيروان من المنتظر أن يتوالى خلال الفترة القادمة إنجاز بقية محطات التحويل الجديدة في مختلف الولايات. وهو ما يؤكد مضيّ بلادنا بخطوات تدريجية نحو تحقيق انتقال طاقي يوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وأهداف الأمن الطاقي والاستدامة البيئية. وفي هذا الإطار تبوّأ تحديث البنية التحتية الكهربائية صدارة أدوات التنمية للمرحلة القادمة، باعتبار أن ذلك من شأنه أن يوفر بيئة أكثر جاذبية للاستثمار الصناعي والفلاحي ويحقق أيضا رهان الدولة الرامي للوصول الى تنمية جهوية أكثر توازنا.
ويأتي هذا التوجه منسجما مع الأهداف التي يتضمنها مخطط التنمية 2026-2030، والذي يضع الانتقال الطاقي ضمن أولويات التنمية الوطنية، من خلال رفع مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء وتحسين النجاعة الطاقية وتطوير الشبكات الذكية وتعزيز الاستثمار في البنية الأساسية الكهربائية، بما يضمن استقرار التزود بالطاقة ويشجع المستثمرين على بعث مشاريع صناعية وفلاحية وخدماتية في مختلف الجهات.
وما جعل الانتقال الطاقي بالنسبة الى تونس خيارا اقتصاديا قبل أن يكون خيارا بيئيا هو السياق الذي يفرضه الواقع الطاقي الدقيق، إذ ما تزال بلادنا تعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي لإنتاج الكهرباء، فيما يتم استيراد جزء مهم من احتياجاتها الطاقية، الأمر الذي يجعل القطاع عرضة لتقلبات الأسواق العالمية وارتفاع أسعار المحروقات. وقد أدى هذا الوضع إلى ارتفاع فاتورة دعم الطاقة وزيادة الضغوط على التوازنات المالية للدولة. وهو ما دعا بلادنا الى المضيّ نحو تنفيذ سلسلة من المشاريع والإصلاحات الرامية إلى إرساء منظومة طاقية أكثر استدامة تقوم على تنويع مصادر الإنتاج وتعزيز مساهمة الطاقات المتجددة وتطوير البنية التحتية الكهربائية. وهو توجه يندرج ضمن تعزيز مقومات الأمن القومي الاقتصادي.
ويتجسد هذا التوجه من خلال المشاريع الكبرى التي أطلقتها الدولة في السنوات الأخيرة، سواء عبر منح تراخيص لإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة لفائدة مستثمرين تونسيين وأجانب أو من خلال تشجيع المؤسسات الصناعية على إنتاج جزء من حاجياتها من الكهرباء ذاتيا. هذا الى جانب العمل على استقطاب الاستثمارات في مشاريع الهيدروجين الأخضر التي بإمكانها أن تجعل بلادنا فاعلا إقليميا في إنتاج الطاقات النظيفة وتصديرها مستقبلا.
وفي هذا الصدد ما انفكت الحكومة تؤكد على تسريع مشاريع الطاقات المتجددة التي تمثل أولوية وطنية، باعتبار ما توفره من مكاسب اقتصادية تتمثل في تقليص كلفة إنتاج الكهرباء، والحد من العجز الطاقي، ودعم الاستثمار والتنمية الجهوية، فضلا عن تعزيز السيادة الطاقية للبلاد. كما حظي الانتقال الطاقي بمكانة محورية ضمن مخطط التنمية 2026-2030، الذي اعتبر أن الأمن الطاقي يمثل أحد الشروط الأساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.
ومن هذا المنطلق ركز المخطط التنموي الجديد على تنويع مصادر الطاقة وتحسين النجاعة الطاقية في مختلف القطاعات، فضلا عن تطوير البنية التحتية الكهربائية بما يستجيب للطلب المتزايد على الطاقة ويواكب التحولات التكنولوجية العالمية في هذا المجال. وبالتالي فإن محطة تحويل الكهرباء ذات الجهد العالي والمتوسط بالقيروان وبقية المحطات المبرمجة في عديد الجهات تندرج ضمن الرؤية المتكاملة لبلادنا لتحديث البنية التحتية الكهربائية، وذلك في إطار برنامج متكامل لتسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة من أجل الحد من الانبعاثات الكربونية، والحد كذلك من العجز الطاقي ومن الضغط على ميزانية الدولة وعلى احتياطي العملة الصعبة.


