‎رغم جماله وجاذبيته وانتظار الناس له بشغف للاستمتاع بالراحة والترفيه في عطلهم السنوية، فإن الصيف موسم قاس ومؤذ أحيانا عندما يغذّي ألسنة اللهب سواء تلك التي تندلع بفعل فاعل أو جرّاء خلل في الطبيعة ذاتها.

‎والصورة في بلادنا لا تختلف كثيرا عن الصور ذاتها في أغلب دول العالم، ويُحسب لبواسل الحماية المدنية وجيشنا الوطني أنهم لا يتأخّرون في تحدّي صلف الصيف وقسوته وهم يحقّقون في هذا الصدد، بتضحيات جسيمة، ملاحم أسطورية في محاصرة النيران وإخماد الحرائق بما توفر لديهم من إمكانيات.

‎في هذا السياق، تمكنت مطلع الأسبوع الجاري وحدات الحماية المدنية، بالتنسيق مع فرق الإطفاء بالادارة العامة للغابات وأعضاء اللجنة الجهوية لتفادي الكوارث ومجابهتها وتنظيم النجدة، وبدعم من وحدات جيش الطيران، من السيطرة على الحريق الذي اندلع بجبل الشحمة، بعمادة بئر حليمة من معتمدية زغوان، وذلك إثر تدخلات ميدانية مكثفة ومتواصلة دامت أكثر من 40 ساعة.

‎وليتخيل المرء، صمود أبناء الحماية المدنية والجيش طيلة هذه الساعات دون انقطاع، في درجات حرارة استثنائية، والنجاح في حماية الأرواح أولا، وثانيا إخماد النيران ومنعها من مزيد إلحاق الأضرارا بمساحات إضافية من الغطاء الغابي، خصوصا وأن الجهة غنية بغابات الصنوبر الحلبي وأنواع أخرى كثيرة من الأشجار بالمزارع المتاخمة للغابة.

‎إن الأمر لا يتعلق برمي الورود، رغم جدارة هؤلاء «الجنود» في المؤسسة العسكرية وفي الحماية المدنية بالورود، ويكفي التوقف عند حصاد عملهم وخصوصا في مثل هذه الفترة من كل عام.

‎لقد قامت وحدات الحماية المدنية على سبيل المثال، خلال ذروة الأحداث في عطلة نهاية الأسبوع وفي ظرف زهاء 24 ساعة فقط بـ683 تدخل توزعت إلى 188 عملية إطفاء حرائق، و152 تدخل في مجال النجدة والإنقاذ على الطرقات، و316 عملية اسعاف في غير حوادث الطرقات، و10 تدخلات في الشواطئ اضافة إلى 17 تدخلا في مجالات متنوعة.

‎وهذا يعني أن خارطة تدخل «حماة الوطن» شاملة ولا تقتصر على الحقول والغابات فقط أو بين المدن وعلى الطرقات، دون أن ننسى تعدد الأسباب.

‎أجل، ليست حرارة الصيف دائما في موضع الاتهام إن جاز القول، حتى وإن كانت عنصرا مفجّرا ومغذيا للكوارث في المطلق، فالحريق الذي اندلع بعد ظهر الأحد الماضي بأكداس من الفضلات في محيط معمل موجود في حيّ الخضراء من ولاية تونس يكشف أسبابا أخرى وراء الظاهرة وهي إنسانية بالأساس.

‎إن شراسة الطبيعة لا تنفي مسؤولية البشر كما أسلفنا في عديد المناسبات والقول بأن الصيف فصل الحرائق أيضا يضاعف مسؤولية بني البشر في الوقاية والتوعية والردع والضرب بيد من حديد ومحاولة استباق الكوارث باتخاذ الاحتياطات المناسبة ومعالجة آثار ما كان جاثما من الكوارث والتوقي والتحسب من القادم منها أيضا.

‎إننا بحاجة الى اليقظة الدائمة والجدوى والفاعلية والشراكة أيضا في مجابهة الكوارث الطبيعية بشكل عام والحرائق بشكل خاص لأنها ببساطة كوارث أصبحت متوقعة ومحتملة ومنتظرة بما أن أسبابها معلومة ومتوفرة والحكمة والوجاهة والمسؤولية هي في حسن التعامل معها.

‫شاهد أيضًا‬

الشراكة الدولية الفاعلة في المجال الرقمي  رافـعـة للـتـنـميـة الـعـادلـة