2026-07-15

عطش‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ارتفاع‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭:‬ ‭ ‬إنقطاع‭ ‬المياه‭ ‬يعمّق‭ ‬معاناة‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬الصيف

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬

تتزامن‭ ‬موجات‭ ‬الحرارة‭ ‬القياسية‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬مع‭ ‬أزمة‭ ‬الانقطاع‭ ‬المتكرر‭ ‬و‭ ‬المستمر‭ ‬للمياه‭ ‬الصالحة‭ ‬للشرب‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مناطق‭ ‬من‭ ‬الجمهورية‭ . ‬و‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬يجعل‭ ‬حياة‭ ‬آلاف‭ ‬العائلات‭ ‬تتحول‭ ‬الى‭ ‬جحيم‭ ‬يومي‭ ‬حيث‭ ‬يجد‭ ‬المواطن‭ ‬نفسه‭ ‬محاصرا‭ ‬بين‭ ‬مطرقة‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬أحيانا‭ ‬عتبة‭ ‬45‭ ‬درجة‭ ‬وسندان‭ ‬انقطاع‭ ‬المياه‭ ‬اذ‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬الازمة‭ ‬تمس‭ ‬حق‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الصيف‭ ‬الساخن‭.‬

تعيش‭ ‬معتمدية‭ ‬المتلوي‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المدن‭ ‬والمناطق‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬انحاء‭ ‬البلاد‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬الكارثة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تجاوزت‭ ‬فترات‭ ‬انقطاع‭ ‬المياه‭ ‬عدة‭ ‬أيام‭ ‬متتالية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحياء‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الحياة‭ ‬شبه‭ ‬مشلولة‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬وحدها‭ ‬في‭ ‬خط‭ ‬المواجهة‭ ‬إذ‭ ‬تشهد‭ ‬قرى‭ ‬وأحياء‭ ‬أخرى‭ ‬انقطاعا‭ ‬يوميا‭ ‬مبرمجا‭ ‬أو‭ ‬فجئيا‭ ‬يستمر‭ ‬لساعات‭ ‬طويلة‭ ‬وخلال‭ ‬ذروة‭ ‬الاحتياج‭ ‬اليومي‭. ‬وقد‭ ‬فرض‭ ‬هذا‭ ‬التوزيع‭ ‬غير‭ ‬العادل‭ ‬معاناة‭ ‬مستمرة‭ ‬وواقعا‭ ‬مريرا‭ ‬يشعر‭ ‬سكان‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬بالتهميش‭. ‬

فإضافة‭ ‬الى‭ ‬كونه‭ ‬وسيلة‭ ‬لإطفاء‭ ‬العطش‭ ‬فان‭ ‬الماء‭ ‬يعتبر‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬لحفظ‭ ‬الصحة‭ ‬والسلامة‭ ‬الجسدية‭ ‬والبيئية‭ ‬داخل‭ ‬كل‭ ‬منزل‭ ‬اذ‭ ‬يعطل‭ ‬غياب‭ ‬الماء‭ ‬دورة‭ ‬الحياة‭ ‬المنزلية‭ ‬حيث‭ ‬يجد‭ ‬المواطن‭ ‬نفسه‭ ‬عاجزا‭ ‬عن‭ ‬تنظيف‭ ‬بيته‭ ‬أو‭ ‬غسل‭ ‬الأواني‭ ‬المتراكمة‭ ‬التي‭ ‬تتحول‭ ‬سريعا‭ ‬الى‭ ‬بيئة‭ ‬جاذبة‭ ‬للحشرات‭ ‬و‭ ‬البكتيريا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬القيظ‭. ‬وتتحول‭ ‬دورات‭ ‬المياه‭ ‬و‭ ‬المراحيض‭ ‬بدون‭ ‬تدفق‭ ‬مستمر‭ ‬للمياه‭ ‬إلى‭ ‬بؤر‭ ‬ملوثة‭ ‬تهدد‭ ‬سلامة‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬وتنشر‭ ‬الروائح‭ ‬الكريهة‭.‬

ومن‭ ‬ضحايا‭  ‬المشهد‭ ‬المائي‭ ‬أيضا‭  ‬فئة‭ ‬أخرى‭ ‬أشد‭ ‬حرمانا‭ ‬وهم‭ ‬المواطنون‭ ‬غير‭ ‬الموصولين‭ ‬أصلا‭ ‬بشبكات‭ ‬المياه‭ ‬الوطنية‭ ‬و‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬عطشا‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬السنة‭. ‬وتخوض‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬المنسية‭ ‬كفاحا‭ ‬مضاعفا‭ ‬في‭ ‬الصيف‭ ‬حيث‭ ‬يضطر‭ ‬أفرادها‭ ‬ومن‭ ‬بينهم‭ ‬نساء‭ ‬وأطفال‭ ‬إلى‭ ‬قطع‭ ‬كيلومترات‭ ‬يوميا‭ ‬مشيا‭ ‬على‭ ‬الأقدام‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬ظهور‭ ‬الدواب‭ ‬جالبين‭ ‬بضع‭ ‬لترات‭ ‬من‭ ‬الماء‭  ‬من‭ ‬العيون‭ ‬أو‭ ‬الآبار‭ ‬البعيدة‭.  ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬ان‭ ‬انقطاع‭ ‬المياه‭ ‬عن‭ ‬المدن‭ ‬مع‭ ‬غيابها‭ ‬التام‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬القرى‭ ‬يخلق‭ ‬تفاوتا‭ ‬اجتماعيا‭ ‬كبيرا‭ ‬إذ‭ ‬يقضي‭ ‬متساكنو‭ ‬هذه‭  ‬القرى‭  ‬أغلب‭ ‬ايامهم‭ ‬في‭ ‬رحلات‭ ‬مستنزفة‭ ‬فقط‭ ‬لتأمين‭ ‬حق‭ ‬أساسي‭ ‬كان‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يصلهم‭ ‬دون‭ ‬عناء‭.‬

ويمثل‭ ‬الماء‭ ‬شريانا‭ ‬حيويا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنه‭ ‬أو‭ ‬تأجيل‭ ‬استهلاكه‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬قطعه‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬القيظ‭ ‬انتهاكا‭ ‬لحق‭ ‬المواطن‭ ‬الذي‭ ‬يضمنه‭ ‬الدستور‭ ‬والمواثيق‭ ‬الدولية‭. ‬ومن‭ ‬نافلة‭ ‬القول‭  ‬أن‭ ‬الاستقرار‭ ‬المجتمعي‭ ‬والتشبث‭ ‬بالأرض‭ ‬يرتبطان‭ ‬ارتباطا‭ ‬وثيقا‭ ‬بمدى‭ ‬توفر‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية،‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬مطالبة‭ ‬السكان‭ ‬بالبقاء‭ ‬وتنمية‭ ‬مناطقهم‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬العطش‭ ‬وغياب‭ ‬النظافة‭ ‬و‭ ‬السلامة‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬تبرير‭ ‬الانقطاعات‭ ‬المستمرة‭ ‬بالندرة‭ ‬المائية‭ ‬والتغير‭ ‬المناخي‭ ‬مقنعا‭ ‬للمواطن‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬بعينيه‭ ‬سوء‭ ‬الإدارة‭ ‬وتأخر‭ ‬الصيانة‭ ‬وتداعي‭ ‬شبكات‭ ‬التوزيع‭ ‬كأسباب‭ ‬تفوق‭ ‬حجم‭ ‬التغيرات‭ ‬البيئية‭ ‬خاصة‭ ‬و‭ ‬ان‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬شهدت‭ ‬بلادنا‭ ‬تساقط‭ ‬الامطار‭ ‬بشكل‭ ‬هام‭ ‬ما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تعبئة‭ ‬السدود‭ ‬بنسب‭  ‬هامة‭.‬

وتكشف‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬سنويا‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬صيف‭ ‬عن‭ ‬ضعف‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المائية‭ ‬وغياب‭ ‬الرؤية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لحل‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المشاكل‭ ‬وضعف‭ ‬ادارة‭ ‬المخاطر‭ ‬بشكل‭ ‬مسبق‭ ‬حيث‭ ‬تبقى‭ ‬الحلول‭ ‬المعتمدة‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬مجرد‭ ‬مسكنات‭ ‬موضعية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬سياسة‭ ‬تقسيط‭ ‬المياه‭ ‬عوضا‭ ‬عن‭ ‬إيجاد‭ ‬حلول‭ ‬جذرية‭ ‬وعملية‭ ‬وناجعة‭.‬

وتتضاعف‭ ‬المخاطر‭ ‬الصحية‭ ‬المحدقة‭ ‬بالمواطنين‭ ‬مع‭ ‬غياب‭ ‬المياه‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬القيظ‭ ‬حيث‭ ‬يزداد‭ ‬خطر‭ ‬الإصابة‭ ‬بالجفاف‭ ‬الحاد‭ ‬و‭ ‬ضربات‭ ‬الشمس‭ ‬والأمراض‭ ‬المنقولة‭ ‬عبر‭ ‬المياه‭ ‬الملوثة‭ ‬التي‭ ‬يلتجئ‭ ‬إليها‭ ‬السكان‭ ‬كخيار‭ ‬أخير‭ ‬في‭ ‬التنظيف‭ ‬والشرب‭. ‬كما‭ ‬يتسبب‭ ‬غياب‭ ‬النظافة‭ ‬الشخصية‭ ‬والمنزلية‭ ‬الإجبارية‭ ‬في‭ ‬انتشار‭ ‬الأوبئة‭ ‬والأمراض‭ ‬الجلدية،‭ ‬ما‭ ‬يضع‭ ‬أعباء‭ ‬اضافية‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭ ‬المرهقة‭ ‬بطبعها‭ . ‬

ولمواجهة‭ ‬هذا‭ ‬المشكل‭ ‬الكبير‭ ‬يجب‭ ‬التدخل‭ ‬بشكل‭ ‬عاجل‭ ‬و‭ ‬فوري‭ ‬لوضع‭ ‬حد‭ ‬لحالة‭ ‬الاستنزاف‭ ‬واليأس‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬الشارع‭ ‬وتكاد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬احتقان‭ ‬اجتماعي‭ . ‬ويجب‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬الوطنية‭ ‬والجهات‭ ‬المسؤولة‭ ‬مراجعة‭ ‬جداول‭ ‬التوزيع‭ ‬لضمان‭ ‬العدالة‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬المناطق‭ ‬والتعجيل‭ ‬ببرامج‭ ‬الهندسة‭ ‬الريفية‭ ‬لإيصال‭ ‬الماء‭ ‬للمناطق‭ ‬المعزولة‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬ان‭ ‬تجاهل‭ ‬صرخات‭ ‬الأهالي‭ ‬سيزيد‭ ‬الوضع‭ ‬تعقيدا‭ ‬لان‭ ‬المواطن‭ ‬لن‭ ‬يلتزم‭ ‬الصمت‭ ‬وهو‭ ‬يرى‭ ‬أطفاله‭ ‬يعانون‭ ‬العطش‭ ‬وبيته‭ ‬يفتقر‭ ‬لأدنى‭ ‬شروط‭ ‬الصحة‭ ‬والسلامة‭ . ‬لذلك‭ ‬فان‭ ‬إنقاذه‭ ‬من‭ ‬وطأة‭ ‬المعاناة‭ ‬اليومية‭ ‬مع‭ ‬المياه‭ ‬هو‭ ‬أولوية‭ ‬وطنية‭.‬

سامية‭ ‬جاءبالله

‫شاهد أيضًا‬

غياب النظافة في المطاعم بالأحياء الراقية والشعبية : وعي المواطن خطّ الدفاع الأول لحماية صحّته وسلامته