عطش في ظل ارتفاع درجات الحرارة: إنقطاع المياه يعمّق معاناة المواطنين في أوج الصيف
الصحافة اليوم:
تتزامن موجات الحرارة القياسية خلال هذه الأيام مع أزمة الانقطاع المتكرر و المستمر للمياه الصالحة للشرب في عدة مناطق من الجمهورية . و هذا الوضع يجعل حياة آلاف العائلات تتحول الى جحيم يومي حيث يجد المواطن نفسه محاصرا بين مطرقة درجات الحرارة التي تتجاوز أحيانا عتبة 45 درجة وسندان انقطاع المياه اذ أصبحت هذه الازمة تمس حق البقاء في ظل هذا الصيف الساخن.
تعيش معتمدية المتلوي كما هو الحال في بعض المدن والمناطق في كافة انحاء البلاد على وقع الكارثة بعد أن تجاوزت فترات انقطاع المياه عدة أيام متتالية في بعض الأحياء ما جعل الحياة شبه مشلولة. ولم تكن هذه المناطق وحدها في خط المواجهة إذ تشهد قرى وأحياء أخرى انقطاعا يوميا مبرمجا أو فجئيا يستمر لساعات طويلة وخلال ذروة الاحتياج اليومي. وقد فرض هذا التوزيع غير العادل معاناة مستمرة وواقعا مريرا يشعر سكان هذه المناطق بالتهميش.
فإضافة الى كونه وسيلة لإطفاء العطش فان الماء يعتبر الركيزة الأساسية لحفظ الصحة والسلامة الجسدية والبيئية داخل كل منزل اذ يعطل غياب الماء دورة الحياة المنزلية حيث يجد المواطن نفسه عاجزا عن تنظيف بيته أو غسل الأواني المتراكمة التي تتحول سريعا الى بيئة جاذبة للحشرات و البكتيريا في ظل هذا القيظ. وتتحول دورات المياه و المراحيض بدون تدفق مستمر للمياه إلى بؤر ملوثة تهدد سلامة أفراد العائلة وتنشر الروائح الكريهة.
ومن ضحايا المشهد المائي أيضا فئة أخرى أشد حرمانا وهم المواطنون غير الموصولين أصلا بشبكات المياه الوطنية و الذين يعيشون عطشا على مدار السنة. وتخوض هذه الفئة المنسية كفاحا مضاعفا في الصيف حيث يضطر أفرادها ومن بينهم نساء وأطفال إلى قطع كيلومترات يوميا مشيا على الأقدام أو على ظهور الدواب جالبين بضع لترات من الماء من العيون أو الآبار البعيدة. ولا شك ان انقطاع المياه عن المدن مع غيابها التام عن بعض القرى يخلق تفاوتا اجتماعيا كبيرا إذ يقضي متساكنو هذه القرى أغلب ايامهم في رحلات مستنزفة فقط لتأمين حق أساسي كان يجب أن يصلهم دون عناء.
ويمثل الماء شريانا حيويا لا يمكن الاستغناء عنه أو تأجيل استهلاكه ما يجعل من قطعه في أوقات القيظ انتهاكا لحق المواطن الذي يضمنه الدستور والمواثيق الدولية. ومن نافلة القول أن الاستقرار المجتمعي والتشبث بالأرض يرتبطان ارتباطا وثيقا بمدى توفر الخدمات الأساسية، فلا يمكن مطالبة السكان بالبقاء وتنمية مناطقهم في ظل العطش وغياب النظافة و السلامة. ولم يعد تبرير الانقطاعات المستمرة بالندرة المائية والتغير المناخي مقنعا للمواطن الذي يرى بعينيه سوء الإدارة وتأخر الصيانة وتداعي شبكات التوزيع كأسباب تفوق حجم التغيرات البيئية خاصة و ان هذه السنة شهدت بلادنا تساقط الامطار بشكل هام ما ساهم في تعبئة السدود بنسب هامة.
وتكشف هذه الأزمة التي تحدث سنويا مع كل صيف عن ضعف كبير في البنية التحتية المائية وغياب الرؤية الاستراتيجية لحل مثل هذه المشاكل وضعف ادارة المخاطر بشكل مسبق حيث تبقى الحلول المعتمدة من الجهات الرسمية مجرد مسكنات موضعية تعتمد على سياسة تقسيط المياه عوضا عن إيجاد حلول جذرية وعملية وناجعة.
وتتضاعف المخاطر الصحية المحدقة بالمواطنين مع غياب المياه في فترات القيظ حيث يزداد خطر الإصابة بالجفاف الحاد و ضربات الشمس والأمراض المنقولة عبر المياه الملوثة التي يلتجئ إليها السكان كخيار أخير في التنظيف والشرب. كما يتسبب غياب النظافة الشخصية والمنزلية الإجبارية في انتشار الأوبئة والأمراض الجلدية، ما يضع أعباء اضافية كبيرة على المنظومة الصحية المرهقة بطبعها .
ولمواجهة هذا المشكل الكبير يجب التدخل بشكل عاجل و فوري لوضع حد لحالة الاستنزاف واليأس التي تسيطر على الشارع وتكاد تؤدي إلى احتقان اجتماعي . ويجب على الشركات الوطنية والجهات المسؤولة مراجعة جداول التوزيع لضمان العدالة بين مختلف المناطق والتعجيل ببرامج الهندسة الريفية لإيصال الماء للمناطق المعزولة. ولا شك ان تجاهل صرخات الأهالي سيزيد الوضع تعقيدا لان المواطن لن يلتزم الصمت وهو يرى أطفاله يعانون العطش وبيته يفتقر لأدنى شروط الصحة والسلامة . لذلك فان إنقاذه من وطأة المعاناة اليومية مع المياه هو أولوية وطنية.
سامية جاءبالله
