مائوية السجل التجاري التونسي: من دفاتر الورق إلى المنصّة الرقمية الوطنية
الصحافة اليوم: مديحة معمري
احتفل السجل الوطني للمؤسسات أمس 16 جويلية 2026 بالذكرى المائوية للسجل التجاري التونسي في مناسبة تستعيد قرنا كاملا من تاريخ إحدى أهم المؤسسات الضامنة للأمن القانوني والاقتصادي في البلاد والتي واكبت مختلف التحولات السياسية والاقتصادية التي عرفتها تونس منذ سنة 1926 وانتقلت من سجلات ورقية محفوظة في المحاكم والكتابات العمومية إلى قاعدة بيانات رقمية وطنية تربط بين مختلف المتدخلين في الحياة الاقتصادية.
وتتزامن هذه الذكرى مع تنظيم معرض وثائقي يضم سجلات أصلية ووثائق تاريخية ونماذج نادرة توثق المراحل التي مر بها السجل التجاري التونسي منذ نشأته في ظل الحماية الفرنسية وصولا إلى إرساء السجل الوطني للمؤسسات في شكله الحديث.
وتعود جذور السجل التجاري التونسي إلى سنة 1926 حين تم إحداث نظام لتسجيل التجار والشركات بهدف تنظيم المعاملات التجارية وإضفاء الصبغة القانونية على الأنشطة الاقتصادية الناشئة آنذاك. وقد كان السجل التجاري في بداياته يعتمد كليا على الدفاتر الورقية والإجراءات الحضورية حيث يتم تسجيل المؤسسات والتغييرات التي تطرأ عليها يدويا داخل سجلات تحفظ بالمحاكم والجهات المختصة وهو ما جعل السجل على مدى عقود بمثابة االذاكرة القانونيةب للنشاط الاقتصادي التونسي. ومع توسع الاقتصاد الوطني بعد الاستقلال سنة 1956 تعاظم دور السجل التجاري باعتباره الأداة الأساسية لإثبات الوجود القانوني للمؤسسات والشركات والتجار ولتوفير المعلومات الضرورية للمستثمرين والإدارات العمومية والمتعاملين الاقتصاديين.
وشهدت سنة 2018 نقطة تحول مفصلية مع صدور القانون عدد 52 لسنة 2018 المتعلق بالسجل الوطني للمؤسسات والذي أحدث نقلة نوعية في فلسفة التسجيل الاقتصادي في تونس إذ لم يعد الأمر يقتصر على التجار والشركات التجارية فقط بل أصبح يشمل مختلف الفاعلين الاقتصاديين من أشخاص طبيعيين ومعنويين إضافة إلى الجمعيات وبعض الترتيبات القانونية الأخرى.
ويهدف هذا التحول إلى تعزيز الشفافية الاقتصادية والمالية وتجميع المعطيات المتعلقة بالمؤسسات داخل قاعدة بيانات موحدة تسمح للدولة ولمختلف المتعاملين الاقتصاديين بالاطلاع على الوضعية القانونية للمؤسسة ومتابعة تطورها وتحيين بياناتها بصورة مستمرة.
ويمثل السجل الوطني للمؤسسات اليوم إحدى الركائز الأساسية لمناخ الأعمال في تونس باعتباره المرجع الرسمي للمعطيات القانونية الخاصة بالمؤسسات. فالحصول على مضمون من السجل الوطني للمؤسسات أصبح شرطا أساسيا في العديد من المعاملات الاقتصادية والمالية والإدارية سواء بالنسبة للصفقات العمومية أو المعاملات البنكية أو العلاقات التعاقدية بين المؤسسات بما يعزز الثقة والشفافية في المعاملات التجارية. كما يوفر السجل خدمات متعددة تشمل تسجيل المؤسسات وإحداثها وتحيين المعطيات القانونية والمالية واستخراج المضامين والشهادات الرسمية وحجز التسميات والأسماء التجارية وكذلك إيداع القائمات المالية والوثائق القانونية.
وإذا كان رجال الأعمال في العقود الماضية يضطرون إلى التنقل بين الإدارات والمحاكم للحصول على الوثائق أو إتمام إجراءات التسجيل فإن السنوات الأخيرة شهدت تسارعا كبيرا في مسار الرقمنة داخل السجل الوطني للمؤسسات وأصبحت أغلب الخدمات اليوم متاحة إلكترونيا أو شبه إلكتروني من إيداع الملفات واستخلاص المعاليم إلى استخراج المضامين والشهادات مع التوجه نحو استكمال الرقمنة الكاملة لجميع الخدمات مع نهاية سنة 2026.
وفي إطار هذا المسار أعلن السجل الوطني للمؤسسات خلال سنة 2026 عن إطلاق خدمة االخزانة الإلكترونية للمؤسسةب التي ستمكن المؤسسات من إيداع وتبادل الوثائق القانونية والمالية بطريقة رقمية وآمنة بما يحد من استعمال الوثائق الورقية ويختصر آجال المعالجة الإدارية. وتشير المعطيات الرسمية إلى أن السجل الوطني للمؤسسات تمكن من تسجيل جميع المؤسسات المعنوية بنسبة 100 بالمائة فيما يتواصل العمل على استكمال إدماج مختلف فئات الأشخاص الطبيعيين والأنشطة الاقتصادية الفردية ضمن المنظومة الجديدة. كما يشهد السجل سنويا إيداع نحو 70 ألف قائمة مالية من قبل المؤسسات الاقتصادية التونسية. وتعكس هذه الأرقام الدور المتنامي الذي بات يلعبه السجل باعتباره قاعدة بيانات استراتيجية للاقتصاد الوطني وأداة لدعم الشفافية ومكافحة الاقتصاد الموازي وتسهيل النفاذ إلى المعلومة الاقتصادية.
ولا تمثل مائوية السجل التجاري مجرد مناسبة احتفالية أو محطة رمزية لاستعراض وثائق تاريخية قديمة بل هي أيضا فرصة لتقييم مسار مؤسسة رافقت نشأة الاقتصاد التونسي الحديث وتحولاته الكبرى من اقتصاد يعتمد على السجلات الورقية والختم الإداري إلى اقتصاد رقمي يقوم على تبادل البيانات والخدمات الإلكترونية. وبين أول سجل ورقي دُوّن سنة 1926 والمنصات الرقمية والخدمات الإلكترونية التي يشهدها سنة 2026 يختصر السجل الوطني للمؤسسات قرنا كاملا من تطور الإدارة الاقتصادية التونسية ويواصل رهانه على التحول الرقمي باعتباره المدخل الأساسي لتبسيط الإجراءات وتحسين مناخ الاستثمار وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
تونس تستضيفت الاجتماع الفني لوفد الأمانة العامة لاتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقيةتاالزليكافب فرصة لتشخيص واقع اندماج الاقتصاد التونسي داخل الفضاء التجاري الإفريقي
الصحافة اليوم: مديحة معمريت تستضيف تونس هذه الأيام الاجتماع الفني لوفد …
