تواترت خلال الأيام القليلة الماضية العمليات النوعية لفرق المراقبة الاقتصادية التابعة للإدارات الجهوية للتجارة ومن بينها عملية حجز آلاف من قوارير المياه المعدنية لدى أحد الموزّعين بالجملة بمنطقة الحمامات من ولاية نابل وذلك من أجل التلاعب والمضاربة في الأسعار وإخفاء البضاعة وعدم عرضها للبيع حسب الجهات الرسمية.

ومثلما ينص على ذلك القانون في مثل هذه الحالات، يتم بعد الحجز مباشرة اتخاذ إجراءات تأمين القيمة المالية للمحجوز في الخزينة العامة للدولة وتحرير محضر بحث اقتصادي ضدّ مرتكب المخالفة، والمؤسف في واقعنا وجود ظاهرة العوْد، أي تكرار نفس المخالفة من قبل نفس الشخص أو الفضاء التجاري ذاته، دون أن ننسى أن مثل هذه المخالفات شنيعة ليس لكونها تضر بالاقتصاد فقط ولكن لكونها تمثّل تنكيلا بالمواطن واستغلالا للظروف المناخية أحيانا، وأحيانا أخرى للمناسبات الدينية والوطنية على حد سواء لتحقيق الأرباح غير الشرعية وغير المشروعة.

لقد تحول التعدّي على القانون الى «ثقافة» سلبية سائدة للأسف، وأصبحت اللهفة على الربح السريع متفشية في أوساط هؤلاء «المهنييين» و«الصنايعية» و«التجار» الذين لا يبالون بمصلحتهم أولا لأنهم بوقوعهم في فخ القانون يدفعون الثمن باهظا، وثانيا، لأنهم يتنكرون لأهلهم وذويهم فحرفاؤهم في نهاية المطاف هم تونسيون مثلهم، منهكون بفعل الوضع الاقتصادي الصعب ومتأثرون بموجة غلاء الأسعار وندرة بعض المواد الاستهلاكية الأساسية كما ضاعف فصل الصيف من معاناتهم.

إن حماية الاقتصاد الوطني، وحماية المواطن وتوفير حاجياته وتأمين عيشه الكريم شروط لا يمكن التهاون معها اذا أردنا بالفعل الحفاظ على مجتمع سليم ومتوازن، ومن هذا المنطلق فإن مسؤولية الدولة وضع النقاط على الحروف كما يقال، وفي واقع الحال لا مناص من مضاعفة الجهد وتعزيز  فرق المراقبة الاقتصادية في ربوع الوطن.

إن المراقبة الاقتصادية ليست حكرا على بلادنا، وليست بدعة أو وسيلة للتشفي من تجار الجملة على سبيل المثال أو غيرهم، بل هي مجموعة من الإجراءات التي تقوم بها الدولة أو الهيئات المختصة لضمان احترام القوانين المنظمة للنشاط الاقتصادي وحماية المستهلك والمنافسة العادلة.

وتشمل مراقبة الأسعار والتأكد من عدم وجود زيادات غير قانونية، ومراقبة جودة السلع والخدمات ومدى مطابقتها للمواصفات، الى جانب مكافحة الغش التجاري والاحتكار والمضاربة والتحقق من شفافية المعاملات التجارية واحترام حقوق المستهلك ومراقبة التزويد بالمواد الأساسية لضمان توفرها في الأسواق.

وعلى هذا الأساس، لا معنى للمراقبة الاقتصادية إذا لم تتم وفق هذه المقاربة الشاملة، أضف إلى ذلك أن المراقبة الاقتصادية ليست عملا موسميا مرتبطا بالازمات  ولا  يعقل أن تنطلق بإذن أو توجيه  أو دعوة  من أعلى هرم السلطة.

ليس ذلك فحسب، إن نجاح المراقبة الاقتصادية لا يرتبط فقط بعدد الزيارات أو المخالفات المسجلة والتي تعد بالآلاف، بل يستوجب أيضًا تعزيز التنسيق بين مختلف الأجهزة الرقابية والأمنية، وتكثيف حملات التوعية، وتشجيع المواطنين على الإبلاغ عن التجاوزات بما يساهم في ترسيخ المنافسة الشريفة وحماية حقوق المستهلك.

إن دور المواطن لا يقل عن دور الدولة،  فهذه الأخيرة مطالبة بالتدخل والردع بواسطة الرقابة الاقتصادية التي أصبحت إحدى الأدوات الأساسية لتنظيم السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطن في ظل التحديات الاقتصادية وارتفاع الطلب على المواد الأساسية على مدار السنة وليس فقط خلال أوقات ذروة أو مناسبات محدّدة كالأعياد والعطل..

والمواطنة الحقيقية تفرض في تقديرنا على التونسيين المشاركة في هذا الجهد بفضح كل أشكال الاحتكار والمضاربة والغش والتهرب الجبائي وعدم اعتماد مسالك التوزيع الرسمية والترفيع في الأسعار والبيع المشروط، ولا نخال أن هذا السلوك المواطني يتحقق بين عشية وضحاها، والرهان هنا قوي على الوعي وعلى الثقافة التي يجب أن تسود وأن تكون من تمظهراتها الواعية والمسؤولة مقاطعة «المحتكرين» وعدم اللهفة والاقبال على المواد النادرة التي ترتفع أسعارها خارج إطار القانون.

إن عملا وقائيا استباقيا توعويا كبيرا مطروح على جميع الأطراف، مؤسسات رسمية ومواطنين وهياكل مدنية إلى جانب المؤسسات التربوية والثقافية ومؤسسات الإعلام التي يجب أن تضع الموضوع على رأس جدول أعمالها.

‫شاهد أيضًا‬

‎تعزيزا للسلوك المواطني وخدمة للمجتمع.. ‎النهوض بالدور التوعوي للإعلام

‎يبدو أننا مجبرون على العودة إلى أصول عديد الأشياء كما يقال، ليس لفهم الواقع فحسب وإنما لل…