2026-08-22

عن فاجعة غرق مركب بسواحل جرجيس وبن قردان : وحدها التنمية العادلة طوق النجاة من الهجرة الغير نظامية

مرة أخرى نلتاع بفواجع غرق المهاجرين غير النظاميين ومرة أخرى تلتهمنا الأسئلة الكبرى مثلما التهم البحر هؤلاء الحارقين.
والخبر المؤلم يأتينا من سواحل جرجيس وبنقردان وفحواه غرق مركب هجرة غير نظامية على متنها حوالي 15 شخصا عاد احدهم ناجيا وهو يقيم في مستشفى الصادق المقدم بجربة وانتشلت جثتين وما يزال البقية في عداد المفقودين.
ووفق المعطيات المتوفرة حتى الآن واغلبها مصدرها الناجي الوحيد فإن المركب غادر سواحل جرجيس وبنقردان يوم الأربعاء المنقضي بعد منتصب النهار وانه غرق بعد خمس ساعات من الإبحار وكان على متنه 15 شخصا كلهم الشباب وكانوا يرتدون سترات النجاة باستثناء خمسة منهم.
وكشف الشاب الناجي في تصريح لوكالة تونس افريقيا للانباء انه سبح لمدة يومين تقريبا الى ان تم إنقاذه.
والأكيد ان هذه الفاجعة ما خلّفت حالة من الذهول والصدمة ليس في صفوف أبناء الجهة فقط بل لدى التونسيين جميعا الذين اكتووا بنار ” الحرقة ” على امتداد ما يربو عن عقد ونصف تقريبا.
فما تزال ظاهرة الهجرة غير النظامية في تونس تؤرق الدولة والمجتمع.
ومع كل حادثة جديدة نحصى الضحايا ونتابع بوجع عمليات البحث عن المفقودين ونتبادل كلمات التعاطف والمواساة ونطرح السؤال المعلق ما الذي يدفع شابا في مقتبل العمر الى ان ركوب قارب هش وهو مدرك ان البحر قد يبتلعه ؟
وما الذي يجعل عائلة تغامر وتمتطي هذا المركب وتجتث نفسها من الجذور من اجل أمل ضئيل ؟
وهنا ثمة مفارقة مؤلمة حقا هؤلاء الحارقين لا يقامرون بحياتهم كما قد يبدو للوهلة الأولى ولا يختارون الموت، بل هم يختارون الحياة كما يتخيلونها في الجنة الموعودة كما يتخيلونها . فهم يركبون البحر لأن صورة الضفة الأخرى، حتى وإن كانت غامضة ومبالغًا في رفاهيتها ، تبدو بالنسبة اليهم أحيانًا أكثر قابلة للتحقق.
و في ظل السياقات الاجتماعية والاقتصادية الصعبة في تونس حاليا يبدو هذا مفهوما .
لكن لا ينبغي هنا ان نقف عند حدود الفهم والتفسير فإيجاد الحلول العميقة والجذرية لقضايا التنمية وحده الكفيل بوأد هذه الظاهرة التي ما فتئت تتنامى خاصة في صفوف الشباب مع ارتفاع نسبة البطالة في هذه الفئة العمرية بالتحديد.

وهنا علينا جميعا ان ندرك ان أوروبا أصبحت في المخيال الجمعي لكثير من الشباب، رمزا لفرصة أخرى، وللبدايات ولحياة لا يشعر فيها الإنسان بأنه محكوم بما وُلد فيه من ظروف اجتماعية واقتصادية فهي ليست وجهة جغرافية فقط بقدر ما هي بارقة أمل .
وعلينا أيضا الإقرار بأن مجتمعنا فشل في إيجاد مسارات واقعية للترقي الاجتماعي وتحقيق الكيان خاصة مع حالة الارتباك والتحولات العميقة التي عصفت ببلادنا منذ مطلع 2011 وكانت الكلفة باهظة علينا جميعا.
وهو ما جعل فكرة المغادرة تخامر اذهان العديد من التونسيين بل وقد يتحول داخل بعض البيئات إلى نوع من النجاح المنتظر حتى ولو كانت الطريق اليه محفوفة بالمخاطر.
وإذا كان هذا واقع فإن الحاجة ملحة اليوم لإيجاد أكثر من أي وقت مضى.
فرغم أهمية البعد الأمني في معالجة الظاهرة إلا ان تشديد المراقبة على السواحل لن يضع نقطة النهاية لحلم الشباب بالرحيل فبعضهم يغير مسار هجرته الغير نظامية او طريقها ربما.
وإذا كانت الجهود الأمنية كبيرة جدا في تفكيك شبكات الاتجار بالبشر وفي تطوير وسائل الإنقاذ والمراقبة البحرية فهي لا تجيب وحدها عن الدوافع العميقة للهجرة السرية. لذلك ما ينبغي ان نعمل عليه لمعاضدة هذه الجهود هو قطعا تحثيث الفعل التنموي وخلق الأفق والحلم للشباب
وهذا يقتضي إيجاد مقاربات تنموية منصفة بين الجهات و خلق وفرص اقتصادية حقيقية ، و القيام بمراجعات بشأن علاقة التعليم بسوق الشغل، وفتح مسارات قانونية وآمنة للهجرة والتنقل. والأهم من ذلك كله هو إعادة بناء فكرة الانتماء وإمكانية تحقيق النجاح داخل تراب الوطن.

‫شاهد أيضًا‬

الحرب على المخدرات : معركة الدولة والمجتمع…

في كل مرة تتمكن أجهزة الامن من الإحاطة بشبكة من شبكات تجار المخدرات وتفكيكها يعود هذا المل…