2026-08-26

أزمة المياه المعدنية في تونس: المواطن في مواجهة الندرة واختبار إدارة الأزمات

تتواصل في عدد من الجهات التونسية اضطرابات التزويد بالمياه المعدنية المعلبة، في ظرف استثنائي تتزامن فيه موجة حر شديدة مع ارتفاع كبير في الطلب، لتجد عائلات نفسها أمام رحلة بحث شاقة عن قارورة ماء تروي عطشها، في وقت أصبحت فيه مياه الشرب حاجة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
في ولاية نابل، على سبيل المثال، يعيش عدد من المواطنين على وقع صعوبة متزايدة في العثور على المياه المعدنية، ويتنقلون بين المحلات والفضاءات التجارية بحثاً عن الكميات التي يحتاجونها. ومع تواتر الحديث عن نقص في السوق، ارتفعت” اللهفة “على اقتناء الماء، ليس فقط بسبب الحاجة الفعلية، وإنما أيضاً خشية استمرار الأزمة وعدم توفره في الأيام المقبلة.
ولا تبدو نابل حالة معزولة، إذ تسجل جهات عديدة من تونس الكبرى بدورها اضطرابات في التزويد، وسط شكوى متكررة من صعوبة العثور على المياه المعدنية، في مشهد يضاعف منسوب القلق لدى المواطنين، خصوصاً مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة.

*موجة حرّ تضاعف المعاناة وتفسير مهني لأسباب الاضطراب

في هذا السياق، أوضحت الغرفة النقابية الوطنية لصناعة المشروبات غير الكحولية التابعة للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية أن اضطرابات التزويد تعود أساساً إلى الارتفاع الاستثنائي في الطلب، الذي ناهز 30 بالمائة مقارنة بالمعدلات المعتادة، بالتزامن مع موجات الحر الشديدة. كما أشارت إلى أن تكرر انقطاع التيار الكهربائي في عدد من المناطق أدى إلى توقف بعض وحدات إنتاج المياه المعدنية لفترات متفاوتة، وهو ما انعكس على نسق الإنتاج والتزويد.
وأكدت الغرفة أن المنتجين لجؤوا إلى المخزون الاستراتيجي الذي تم تكوينه خلال فصل الشتاء لتغطية الفارق بين الطاقة الإنتاجية ومستويات الاستهلاك المرتفعة خلال الصيف، ونفت في المقابل ما يتم تداوله بشأن تعمد المنتجين حجب الكميات أو تكوين مخزونات بهدف المضاربة، مؤكدة أن المؤسسات تعمل بأقصى طاقاتها المتاحة، وأن عمليات التزويد تتم متابعتها بالتنسيق مع وزارة التجارة وتنمية الصادرات والديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه والإدارات الجهوية للتجارة.
وتقدم هذه التوضيحات تفسيراً للاضطراب المسجل، لكنها لا تلغي حقيقة أساسية يعيشها المواطن يومياً: الماء ليس سلعة كمالية يمكن تأجيل الحصول عليها، بل حاجة أساسية تزداد إلحاحاً كلما ارتفعت درجات الحرارة.
وفي نابل، كما في عدد من مناطق تونس الكبرى، لا تعكس رحلة المواطن بين المحلات مجرد نقص في منتج، وإنما حالة من القلق تتغذى من الخوف من استمرار الأزمة. وكلما طال البحث عن قارورة ماء، ازدادت اللهفة على اقتناء كميات إضافية تحسباً لعدم توفرها لاحقاً، وهو ما يمكن أن يزيد الضغط على السوق.
وتزداد صعوبة الوضع عندما نضعه في سياق أوسع. فقد سبقت أزمة المياه المعدنية اضطرابات متواصلة في الكهرباء وانقطاعات في التزويد بالماء في عدد من المناطق، ما جعل المواطن يواجه أكثر من ضغط في الوقت نفسه. كما أن العلاقة بين هذه الأزمات ليست دائماً منفصلة؛ فاضطرابات الكهرباء يمكن أن تؤثر في الإنتاج والضخ والتوزيع، بما ينعكس في النهاية على انتظام الخدمات وتوفر بعض المواد.

*من إدارة الأزمة إلى استباقها… هل نحتاج إلى استراتيجية أوضح؟

إن مواجهة المضاربة والاحتكار، متى ثبتت ممارسات مخالفة، تظل ضرورة لحماية المستهلك والسوق، لكن معالجة الأزمة لا يمكن أن تتوقف عند مراقبة الأسعار أو ملاحقة المحتكرين. المطلوب هو منظومة متكاملة قادرة على التوقع والاستباق وتأمين المواد الأساسية في فترات الضغط الاستثنائي.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل توجد استراتيجية واضحة للتعامل مع أزمات التزويد عندما تتزامن موجات الحر مع ارتفاع الطلب واضطرابات الكهرباء والماء؟ وهل تكفي المخزونات المتوفرة وآليات التنسيق الحالية لمنع تكرار مثل هذه الأزمات؟
فالأزمة لا تبدأ عندما يجد المواطن رفوفاً فارغة، وإنما قبل ذلك بكثير، عندما لا يتم توقع ارتفاع الطلب أو لا تكون خطط الطوارئ قادرة على ضمان استمرارية الإنتاج والتوزيع. ولذلك فإن المطلوب هو الانتقال تدريجياً من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق، عبر تحديد الحاجيات مسبقاً، وتأمين مخزونات احتياطية، وضمان جاهزية وحدات الإنتاج، وتوفير خطط بديلة عند حدوث اضطرابات في الكهرباء أو النقل أو التوزيع.
كما أن التواصل الرسمي يظل عاملاً أساسياً في إدارة مثل هذه الظروف. فغياب المعلومة الدقيقة يترك المجال للشائعات، والشائعات تغذي الخوف، والخوف يدفع المواطن إلى التخزين، والتخزين المفرط يزيد الضغط على السوق. ومن هنا تأتي أهمية تقديم معطيات واضحة حول حجم الإنتاج، والكميات المتوفرة، ومناطق التوزيع، وآفاق عودة السوق إلى نسقها الطبيعي.
قد تكون الأزمة الحالية ظرفية، كما تؤكد الغرفة المهنية، وقد يتراجع الطلب مع انخفاض درجات الحرارة. لكن الظرفية لا ينبغي أن تمنع من استخلاص الدروس. فقد كشفت الأزمة، إلى جانب أزمات الماء والكهرباء، عن هشاشة يمكن أن تظهر سريعاً عندما تتزامن عوامل استثنائية.
المطلوب في النهاية ليس فقط أن يجد المواطن قارورة ماء اليوم، وإنما أن يطمئن إلى أنه سيجدها غداً أيضاً، دون طوابير ودون “لهفة” ودون خوف من اختفائها من السوق.
فالماء والكهرباء والمواد الأساسية ليست تفاصيل ثانوية في حياة الناس، وإدارة الأزمات لا تقاس فقط بسرعة التدخل عند وقوعها، وإنما بمدى القدرة على منعها من التحول إلى معاناة يومية.

‫شاهد أيضًا‬

الترجي يفوز على النجم الساحلي بثلاثية بعد ريمونتادا مثيرة

قلب الترجي التونسي تأخره أمام النجم الساحلي إلى فوز مثير 3-2، اليوم الأحد، في قمة الجولة ا…