‎احتضنت بلادنا يومي 9 و10 سبتمبر الجاري أعمال النسخة الثانية لقمة «الذكاء الاصطناعي نحو المستقبل 2026» تحت شعار «صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي: من الرؤية إلى القيمة» بتنظيم من المنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات التابعة لجامعة الدول العربية بالشراكة مع وزارة تكنولوجيات الاتصال التونسية، وبحضور رفيع المستوى ومشاركة خبراء وصنّاع قرار وممثلي منظمات إقليمية ودولية مثل اليونسكو والاتحاد الدولي للاتصالات.

وسجّلت القمة حضور الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي شخصيا في أول زيارة له لتونس في أول مهمّة رسمية له بعد استلام منصبه مطلع شهر جويلية الماضي.

‎وطبيعي أن تكون مخرجات هذه القمة التي استضافتها مدينة الحمامات لبحث ملفات الحوكمة والسيادة الرقمية، والبنية التحتية، وتمويل الابتكار والشركات الناشئة، إلى جانب تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الصحة والزراعة والأمن السيبراني، على درجة كبيرة من الأهمية خصوصا مع الوعي الذي عبّر عنه المشاركون والذي لخصه الأمين العام لجامعة الدول العربية في كلمته الافتتاحية بالقول إن هذه القمة تهدف إلى جعل البلدان العربية «شريكة في بناء المستقبل وليست جزءا من المستقبل الذي يحدده ويخطط له غيرنا».

‎وبالفعل، فقد أكدت مخرجات القمة على ضرورة انتقال الدول العربية من مرحلة استهلاك التكنولوجيا إلى المشاركة الفعلية في صناعتها وامتلاك سيادتها الرقمية والتركيز على الشراكة الاستراتيجية سواء في ما بين الدول العربية  بالأساس أو من خلال تضافر الجهود العربية والإفريقية لمواجهة التكلفة العالية للبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات عبر تبادل التجارب الناجحة.

‎ولمسايرة التطور السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي شدّدت قمة  تونس على أهمية إرساء أطر تنظيمية وتشريعية تلتزم أيضا بالضوابط الأخلاقية والأمن السيبراني وهو الهاجس ذاته الذي يؤرق العالم ويدفع المجتمع الدولي والتجمعات الاقليمية الى الاهتمام به لدقته وحساسيته لارتباطه الوثيق بمعادلة الحق والواجب.

‎لقد أصبح الذكاء الاصطناعي واقعًا نعيشه في مختلف أوجه الحياة وفي مختلف القطاعات، ولم يعد مجرد مفهوم يرتبط بالمستقبل أو بالتطورات التكنولوجية الحديثة، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية لعموم البشر وللمواطن العربي الذي يستخدم تطبيقاته بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الهواتف الذكية، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي، والخدمات الإلكترونية، وغيرها من المجالات التي أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الأنظمة الذكية.

‎ولم يعد خافيا على أحد أن الذكاء الاصطناعي وكما جاء في مداخلات المشاركين في القمة وفي مخرجاتها، أحدث تحولًا كبيرًا في العديد من القطاعات، إذ أسهم في تطوير الخدمات الصحية من خلال المساعدة في تشخيص الأمراض وتحليل الصور الطبية، وفي مجال التعليم من خلال توفير أدوات تعليمية أكثر تفاعلية وتكيّفًا مع احتياجات المتعلمين، وأصبح له دور مهم في الصناعة والتجارة والفلاحة والنقل والطاقة والأمن والاقتصاد حيث يساعد المؤسسات على تحليل البيانات وتحسين الإنتاجية والتنبؤ بالاتجاهات واتخاذ قرارات أكثر دقة وسرعة.

‎ليس ذلك فحسب، أحدث الذكاء الاصطناعي «ثورة» في القطاع الإداري بالمساهمة في تبسيط الإجراءات ومواجهة البيروقراطية وأصبح في مجال الإعلام والاتصال وسيلة لإنتاج المحتوى وتحليل المعلومات والوصول إلى الجمهور بصورة أكثر فاعلية.

‎إن هذه الصورة الوردية  وهذه المخرجات الهامة التي خلصت إليها النسخة الثانية لقمة «الذكاء الاصطناعي نحو المستقبل 2026»  بتونس،  والتي تؤكد أن المرحلة الراهنة هي مرحلة التسريع ببناء مجتمع الذكاء لا تحجب بعض الحقائق أو لنقل المحاذير التي لم تكن غائبة عن المشاركين فالبيئة العربية والجوار الإفريقي والأوروبي والآسيوي ليست على ما يرام  والغرب، «خالق» الذكاء الاصطناعي  والماسك بمقوده  ومحركاته له حساباته، وترجمة مقولة الأمين العام لجامعة الدول العربية  الطيبة تستوجب توافقا وقبضة عربية  ووحدة ليس بالضرورة أن تكون قوية ولكن على الأقل قادرة على فرض الشراكة الحقيقية العادلة في بناء المستقبل.

‎هي فرصة أخرى لشعوبنا لتعديل عقارب ساعاتها والبناء على الحد الأدنى المشترك على الأقل  لمواكبة العصر والمساهمة في رسمه في موقع الفاعل الذي يوظف ويستفيد من الذكاء الاصطناعي لا «المستهلك»  الذي  يهدر مرة أخرى الفرصة التاريخية  لإثبات الذات وهذه ليست غاية صعبة المنال في تقديرنا.

‫شاهد أيضًا‬

مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري رئاسة تونسية في وضع إقليمي إستثنائي..

تسلّمت تونس أمس الاثنين 7 سبتمبر 2026 بالعاصمة المصرية القاهرة رسميّا رئاسة مجلس جامعة الد…