2026-09-15

على هامش العودة المدرسية : هل ما يزال التعليم مصعدا اجتماعيا في تونس ؟

 

منيرة رزقي
في كل عودة مدرسية تتلون الشوارع بصخب التلاميذ وتزدان بالوان محافظهم وميدعاتهم الجميلة وتقوم العائلات بتعديل ساعاتها على ميقاتهم في حين يتغير روتين الحياة الاجتماعية وفق ايقاعهم . ومع هذه العودة تنسج أحلام كبيرة بدعوات الأمهات وصبر الأباء.
ورغم ان العودة المدرسية ليست سوى حدث متكر بلغة الصحافة إلا ان هذه الصور التي نستعيدها في بداية كل خريف لا تزال تدهشنا مهما تغيرت الظروف ومهما كبرت التحديات.
فلا شيء يعادل المدرسة في كونها الحافز لصوغ لجميع التونسيين في كل الفترات والازمة ولاشيء مثل التعليم يشكل الحلم الجماعي لهم رغم كل التحولات التي عصفت بالمجتمع التونسي لاسيما في العقدين الأخرين.
وبما لهذا يكون من المهم طرح سؤال مركزي عما يعني التعليم بالنسبة الى التونسيين ؟
قد لا نختلف بشأن الأثر العميق للمدرسة في البنية الاجتماعية التونسية منذ مرحلة بناء الدولة الوطنية الى اليوم وهو ما لا تضاهيها فيه اية مؤسسة أخرى .
وهنا لا نقصد المؤسسة التربوية في بعدها الوظيفي أي باعتبارها وسيلة لاكتساب المعارف وانما باعتباره أداة لبناء الانسان وإعادة تشكيل المجتمع من خلال تمكين كل الطبقات والفئات من الترقي الاجتماعي على قدم المساواة. ولهذا سمي التعليم بالمصعد الاجتماعي.
.وهذه ربما واحدة من أهم التحولات الاجتماعية التي عرفتها تونس بعد الاستقلال.
وربما لهذا أيضا اصبح مقولة الزعيم الحبيب بورقيبة ” اقرى باش ما تهزش البردعة ” قولا سائرا بين التونسيين لتحفيز أبنائهم على طلب العلم وحتى اليوم مع كل عودة مدرسية يستعيد رواد مواقع التواصل الاجتماعي هذا القول المقتطف في خطاب بورقيبة.
وهذا يحيل على المكانة المركزية التي يحتلها التعليم في المجتمع التونسي ماضيا وحاضرا فرغم كل التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ورغم التحديات والمحن التي عرفها التونسيون إلا انهم لم يفقدوا ثقتهم في المدرسة.
وهذه تكاد تكون فلسفة المجتمع التونسي الذي كان الرهان فيه على العلم كبيرا ولا يزال نقول هذا رغم تعالي نبرة جديدة لدى البعض للتبخيس من شأن التعليم تحت يافطات كثيرة في ظل سياقات بات فيها بريق المال والشهرة السريعة كبيرا وخداعا جعلنا الكثيرين يسقطون من حسابتهم قيمة المثابرة ومعاني الكفاح ومع ذلك ظلت القيمة الاعتبارية للتعليم قائمة. . .
ولأن التعليم و أحد أهم آليات الحراك الاجتماعي من منظور سوسيولوجي : أي انتقال الفرد من موقع اجتماعي إلى موقع آخر مختلف عن موقع أسرته الأصلي.
وهذه الوظيفة كانت شديدة الأهمية في تونس.
فقد أتاحت المدرسة والجامعة لأبناء الجهات الداخلية والأحياء الشعبية والقرى والأرياف أن يدخلوا إلى مساحات اجتماعية ومهنية كانت بعيدة عنهم. ولم يكن الأمر يتعلق فقط بالوظيفة التي سيحصل عليها المتعلم لاحقًا، بل بإعادة تشكيل صورة الإنسان عن ذاته وعن حدود ما يستطيع أن يكونه.
وهنا تكمن القوة الرمزية للمدرسة.
وليس من قبيل المصادفة أن حافظ التعليم على موقع مركزي في سياسات الدولة. فحتى في السنوات الأخيرة، تظل الدولة التونسية تنفق نسبة مهمة من مواردها عليه؛ وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الإنفاق الحكومي على التعليم بلغ نحو 6.8 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2022، و20 بالمائة من إجمالي الإنفاق الحكومي.
وتكشف معطيات التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أن نسبة التمدرس لدى الفئة العمرية 6 ــ 14 سنة بلغت نحو 97.3 بالمائة، فيما تشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى ارتفاع واضح في الحضور المدرسي وتقدم مهم في استفادة الفتيات من التعليم.
وهذا إنجاز تاريخي لا ينبغي التقليل من قيمته.
لكن الوجه الآخر للصورة يتمثل في أن ارتفاع مستوى التعليم لم يعد يضمن تلقائيًا الارتقاء الاجتماعي .وهذه هي المعركة التونسية في اللحظة الراهنة. فإذا كان التونسي لم يفقد احترامه للعلم وما فتئ يستثمر في تعليم أبنائه فالأكيد أنه يحتاج اليوم الى مؤشرات الى ان يطمئن تماما بان العلم هو الاستثمار الأكثر امانا على الاطلاق.

.

‫شاهد أيضًا‬

نحو تنقيح قانون مكافحة المخدرات : من مكافحة الاستهلاك الى تفكيك الشبكات…

لا يكاد يمر يوم دون ان يتم تداول اخبار بشأن تفكيك شبكات ترويج المخدرات وتهريبها واحيانا نس…