عن سؤال ” لمن تعود ” مقدمة رائد علم الاجتماع ؟ : كونية ابن خلدون لا تلغي ” تونسيته “
رغم ان الأفكار الكبرى أوسع من حدود الجغرافيا وأصحاب الفتوحات الفكرية العظيمة لا يمكن اختصارهم في مكان بعينه لأن فكرهم يستظل به الجميع لكن هذا لا يلغي احقية الانتماء فلكل امة رموزها الثقافية والحضارية التي تعتز بها.
ونحن هنا لا نتناقض عندما نقول إن المبدع و المفكر لا يمكن حصره واختزاله باعتباره متعدد لكن الانصاف التاريخي يقتضي ان ينسب كل رمز من الرموز اصوله.
و الأكيد أن التراث المشترك لا يعني إلغاء حق الأصل.
والأكيد هذه الديباجة ضرورية قبل الخوض في النقاش الدائر بشأن مقدمة ابن خلدون.
وذلك في سياق اعداد ملف لهذا الكتاب العظيم لإدراجه في قائمة اليونسكو ضمن دورة 2026 /2027 وفق ما أفادت به المندوبة الدائمة لتونس لدى هذه المنظمة الدولية.
فالملف، بحسب المندوبية الدائمة لتونس لدى اليونسكو، جرى تنسيقه من الجانب التونسي، بالتعاون مع الجزائر ومصر وتركيا، انطلاقاً من القيمة التاريخية والعلمية لـ«المقدمة» ومن تعدد البلدان التي حفظت مخطوطاتها. وقد بدأت جهود إعداد الملف منذ سنوات، قبل أن تتجدد بصورة أكثر انتظاماً استعداداً لدورة 2026-2027.
ومن هنا انطلقت الأسئلة التي سرعان ما أصبحت سجالا دائرا على مواقع التواصل الاجتماعي وفي أوساط النخب التونسية باعتبار انه من البداهة بمكان ان يكون ابن خلدون ” تونسيا ” وانجازه الأعظم ” كتاب العِبَر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر».
اما مقدمة ابن خلدون فهي مقدمة هذا الكتاب واشتهرت لاحقا كعمل مستقل وحملت اسم ” المقدّمة”
فوهي موضوع حديثنا هنا. وإذ نقر بأنه ليس من السهل أن يُختزل ابن خلدون في جغرافيا واحدة، ولا أن تُختزل «المقدمة» في وطن بالمعنى السياسي الضيق. لكن ذلك لا يعني، في المقابل، أن تتساوى كل البلدان في علاقتها بالرجل الذي وُلد في تونس، ونشأ في بيئتها العلمية، وتشكل وعيه الأول في فضائها الثقافي، قبل أن تتوزع حياته بين بلدان المغرب ومصر وغيرها..
ومن هنا تبدو المبادرة التونسية لترشيح «مقدمة ابن خلدون» ضمن سجل «ذاكرة العالم» التابع لليونسكو ذات دلالة تتجاوز مجرد إدراج كتاب في قائمة دولية. إنها، في عمقها، محاولة لاستعادة العلاقة بين المكان وصناعة الفكر؛ بين المدينة التي أنجبت صاحب الفكرة والعالم الذي احتفى لاحقاً بها.
فابن خلدون ليس اسماً عابراً في التاريخ التونسي فهذا العلاّمة الكبير وُلد في تونس وبيته لا يزال معلما شاهدا على انتمائه وفيها تلقى جانباً أساسياً من تكوينه العلمي الأول، قبل أن تأخذه تقلبات عصره إلى الجزائر والمغرب ثم مصر. وقد كتب «المقدمة» على مراحل خلال رحلته بين هذه الأمكنة، وهو ما يفسر الطابع المشترك للتراث المخطوط المتصل بها، ويفسر كذلك مشاركة تونس والجزائر ومصر وتركيا في ملف الترشيح..
وهناك فرق بين أن نقول إن ابن خلدون ومؤلفه ينتميان إلى الإنسانية جمعاء، وهذا صحيح من منظور اليونسكو، وبين أن نتجاهل الجذر التاريخي الذي خرجت منه هذه الشخصية الاستثنائية. فالعالم لا يحتفي بابن خلدون لأنه “تونسي” فقط، وإنما يحتفي به لأنه مفكر تجاوز عصره وحدود عصره؛ غير أن عالمية ابن خلدون لا تلغي تونسيته، كما أن تونسيته لا تنتقص من عالميته..
وهنا تحديداً تكمن أهمية المبادرة التونسية.
إذ ، من حق تونس أن تقول بوضوح
.إن العالمية لا تبدأ من فراغ.
فالكتب العظيمة لا تولد من فراغ . وخلف كل فكرة مكان، ووراء كل مفكر سياق، وخلف كل عبقرية مدينة وبيئة علمية وذاكرة اجتماعية. وحين نستعيد منزل ابن خلدون في المدينة العتيقة بتونس، والمدرسة التي تلقى فيها تعليمه، والمكتبات التي ارتبطت بذاكرته، فإننا لا نحاول احتكار الرجل، وإنما نعيد وصل النص بسياقه التاريخي. وقد شهدت تونس بالفعل مبادرات ثقافية للتعريف بهذا المسار، من بينها جولة «على خطى ابن خلدون» في المدينة العتيقة سنة 2024، شملت دار بن عاشور والمكتبة الخلدونية ومكان ولادته والمدرسة القرآنية التي تلقى فيها تعليمه.
ولعل المفارقة الأجمل أن صاحب «المقدمة» نفسه كان من أكثر المفكرين الذين حطموا الحدود الجامدة في فهم التاريخ. فقد علّمنا أن الدول والمجتمعات لا تُفهم بمعزل عن حركة البشر، وعن انتقال الأفكار، وعن التفاعل بين العصبيات والعمران والاقتصاد والسياسة والثقافة.
ومن المهم التأكيد على «المقدمة» أكبر من الحدود.
فهذا الكتاب الذي ألّفه عبد الرحمان بن خلدون في القرن الرابع عشر استطاع أن يعبر القرون ليصبح مادة للبحث في الاجتماع والتاريخ والسياسة والاقتصاد وفلسفة العمران. وهذه هي اللحظة التي يصبح فيها التراث الوطني جزءاً من التراث الإنساني من دون أن يفقد ذاكرته المحلية.
ومن هنا فإن تسجيل «مقدمة ابن خلدون» في «ذاكرة العالم» ــ متى استكمل المسار الرسمي وأعلنت اليونسكو النتيجة ــ لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره انتصار دولة على دولة، وإنما باعتباره انتصاراً للذاكرة على النسيان.
ويبقى لتونس حق مشروع في أن تقول للعالم
: هذا الرجل خرج من هنا، وهذه الأرض كانت إحدى البدايات الكبرى لفكره الخالد لكننا لا نحتكره لأنفسنا وهو الذي حلّق في كل ارجاء المعمورة وأصبحت تراثا إنسانيا..
على هامش العودة المدرسية : هل ما يزال التعليم مصعدا اجتماعيا في تونس ؟
منيرة رزقي في كل عودة مدرسية تتلون الشوارع بصخب التلاميذ وتزدان بالوان محافظهم وميد…









