يضع لقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأمريكي دونالد ترامب العلاقة بين واشنطن وبكين أمام مرحلة جديدة، في وقت تتداخل فيه الخلافات التجارية والتكنولوجية مع ملفات الأمن والطاقة، وتتسع فيه تداعيات التوترات الدولية لتصل إلى اقتصادات تتجاوز حدود القوتين.

لقد أظهرت زيارة شي إلى واشنطن، التي جاءت خلال أسبوع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن البلدين يريدان إبقاء الحوار مفتوحاً، رغم استمرار الخلاف حول ملفات رئيسية، من التجارة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا إلى تايوان والنفوذ الدولي والموقف من الحرب مع إيران. ولم تنهِ المحادثات هذه الخلافات، لكنها أكدت أن إدارة العلاقة باتت تتطلب قنوات اتصال مستمرة تحول دون انتقال المنافسة إلى مواجهة أوسع.

ولا تستطيع واشنطن وبكين تجاهل حجم تأثير علاقتهما في الاقتصاد العالمي، فأي تصعيد تجاري بينهما ينعكس على حركة التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد، كما تؤثر قراراتهما في أسواق التكنولوجيا والطاقة والمواد الأساسية، إضافة إلى أن كل مرة تتسع فيها دائرة التوتر، تمتد آثاره إلى اقتصادات لا تملك الأدوات اللازمة للتأثير في الخلاف بين القوتين.

إن الدول الفقيرة والنامية تتحمل جانباً من كلفة هذه التوترات بين البلدين، خصوصاً عندما تؤدي الأزمات إلى ارتفاع أسعار الطاقة والنقل والتأمين واضطراب حركة التجارة إذ تزداد الضغوط على ميزانياتها وأسعار السلع الأساسية مقابل قدرة محدودة على امتصاص الصدمات أو تمويل كلفتها لفترات طويلة.

وتضيف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران بعداً آخر إلى هذه المعادلة، فقد أدت اضطرابات الملاحة والطاقة المرتبطة بالتوتر في المنطقة، ولا سيما حول مضيق هرمز، إلى زيادة المخاوف بشأن إمدادات الطاقة وارتفاع كلفتها.

وقد أثبتت الأشهر السبعة الماضية أن آثار هذا الصراع لا تتوقف عند أطرافه، بل تصل إلى المستهلكين والاقتصادات الهشة عبر أسعار الوقود والنقل والغذاء.

ومن هنا تتجاوز أهمية الحوار بين واشنطن وبكين حدود العلاقة الثنائية، فالقوتان تملكان وزناً سياسياً واقتصادياً يسمح لهما بالتأثير في مسارات الأزمات الدولية، كما أن مواقفهما من الحرب والتجارة والطاقة يمكن أن تنعكس مباشرة على استقرار الأسواق العالمية.

وقد أظهرت المحادثات الأخيرة أن الحفاظ على الاستقرار لا يعني إنهاء المنافسة، بل محاولة منعها من التحول إلى مصدر إضافي للاضطراب.

إن العالم لا يحتاج في المرحلة الحالية إلى إنهاء التنافس الأمريكي الصيني، فهذا هدف لا يبدو واقعياً في ظل حجم المصالح والخلافات بين البلدين، لكنه في المقابل يحتاج إلى إدارة هذا التنافس وفق قواعد واضحة تمنع الخلافات من تحميل الاقتصاد العالمي كلفة إضافية، ولا سيما الاقتصادات الأضعف التي تدفع غالباً ثمن أزمات لم تكن طرفاً في صنعها.

إن ما تحتاجه واشنطن وبكين اليوم ليس الاتفاق على جميع الملفات حتى تتمكّنان من تجنب التصعيد بل الاتفاق على قواعد لإدارة الخلاف، والحفاظ على قنوات الاتصال، وحماية التجارة الدولية من التحول إلى أداة ضغط مفتوحة، مع مراعاة تأثير القرارات الكبرى في الدول الفقيرة والنامية.

من هذه الزاوية، تكتسب زيارة شي إلى واشنطن أهمية تتجاوز نتائجها المباشرة، فهي لا تؤشر إلى نهاية المنافسة بين القوتين، ولا تعني أن الخلافات الأساسية أصبحت قابلة للحل، لكنها تؤكد حاجة الطرفين إلى إبقاء الحوار قائماً في مرحلة تتزايد فيها الأزمات وتتداخل فيها ملفات التجارة والتكنولوجيا والأمن والطاقة.

من المؤكد أن التنافس بين واشنطن وبكين سيتواصل خلال العقود المقبلة، لكن التحدي أمامهما لا يقتصر على حماية مصالحهما الوطنية فقط، فكلما اتسع نطاق نفوذهما في الاقتصاد والسياسة الدوليين، أصبحت مسؤوليتهما أكبر في منع هذا التنافس من إنتاج أزمات جديدة، وفي الحدّ من الكلفة التي يدفعها الاقتصاد العالمي.

‫شاهد أيضًا‬

سبتة‭ ‬تكشف‭ ‬انقسام‭ ‬أوروبا

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬كريمة‭ ‬دغراش لم‭ ‬تعد‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬انفجرت‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬سبتة‭ ‬ال…