”قناوة ديفيزيون” على ركح الحمامات موسيقى تأبى التصنيف وتقاوم الزمن
الصحافة اليوم:كريمة دغراش
لم يكن صعود أمازيغ كاتب ورفاقه إلى ركح مهرجان الحمامات الدولي، مساء الاثنين الماضي ، ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي، مجرد سهرة موسيقية أضيفت إلى برنامج المهرجان، بقدر ما كان استعادةً لمسار فني حافظ، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، على خصوصيته خارج التصنيفات الموسيقية التقليدية.
منذ اللحظات الأولى للحفل، بدا واضحاً أن الجمهور لم يحضر لاكتشاف الفرقة، بل جاء لتجديد اللقاء بتجربة موسيقية من نوع خاص يعرفها جيداً وكان لافتاً أن نسبة كبيرة من الحاضرين تنتمي إلى جيل لم يعاصر انطلاقة “قناوة ديفيزيون” في تسعينيات القرن الماضي، ومع ذلك ردد كثيرون كلمات الأغاني عن ظهر قلب بحماسة لا تقل عن جمهورها الأول، في مشهد يعكس قدرة الفرقة على تجديد جمهورها، رغم التحولات التي شهدتها الصناعة الموسيقية وصعود أنماط استهلاك جديدة فرضتها المنصات الرقمية.
ومنذ تأسيسها في مدينة غرونوبل الفرنسية عام 1992، لم تتعامل “قناوة ديفيزيون” مع موسيقى القناوة بوصفها تراثاً مغلقاً، بل جعلتها نقطة انطلاق لبناء مشروع موسيقي يمزج الإيقاعات الإفريقية بالريغي والروك والجاز والموسيقى الشعبية المغاربية.
وقد تشكل هذا المشروع في سياق تجربة الهجرة، حاملاً في نصوصه أسئلة الحرية والهوية والمنفى والعدالة الاجتماعية، وهي موضوعات ظلت حاضرة في أعمال الفرقة بعد 3 عقود من تأسيسها
وفي سهرة الاثنين الماضي وعلى ركح المسرح الأثري بالحمامات، حافظت الفرقة على ما ميزها طوال مسيرتها: موسيقى تقوم على التوازن بين عناصر تبدو متباعدة ظاهرياً فقد احتفظت الإيقاعات المستوحاة من القناوة بحضورها، بينما انسجمت معها ايقاعات الروك والريغي والجاز، في مزج بدا طبيعياً أكثر منه محاولة لإبهار الجمهور، وهو ما يعكس سنوات طويلة من التجريب وصقل الهوية الموسيقية للفرقة.
ولم يقتصر جمهور الأمسية على التونسيين، فقد سجل حضور عدد كبير من الجزائريين من الذين يقضون عطلتهم الصيفية في مدينة الحمامات، ما أضفى على الحفل طابعاً مغاربياً عفوياً، وجعل من الموسيقى مساحة التقت فيها ذاكرة مشتركة تتجاوز الحدود والجغرافيا وربما حتى السياسة.
وعلى امتداد نحو ساعتين وبين العربية والفرنسية والإنقليزية والأمازيغية، تنقل أمازيغ كاتب وفرقته بين محطات مختلفة من رصيدهما مستعدين أعمالاً شكلت محطات فارقة من مسيرة فنية قاومت التصنيف على غرار، “يا ليلي” و”كارافان” و”حلال الليلة” و”مليكة متحجبة”.
وضمن دورة تحتفي بستينية مهرجان عريق بنا لنفسه فلسفة خاصة به، بدا حضور “قناوة ديفيزيون” منسجماً مع روح المكان، فالفرقة، بعد أكثر من ثلاثين عاماً على تأسيسها، لا تزال تقدم نموذجاً لمشروع موسيقي حافظ على هويته التي صنعت له جمهورا خاصا به يتجدد مع مرور السنوات.
لقد أثبت “قناوة ديفيزيون” بقيادة أمازيغ كاتب في حفل الحمامات أن سر استمراريتها يكمن في قدرتها على التعامل مع المزج الموسيقي بوصفه وصفة فنية من جهة أولى وباعتباره من جهة ثانية تعبيراً عن تجربة إنسانية وثقافية تشكلت بين ضفتي المتوسط، ما زالت تحتفظ بقدرتها على مخاطبة أجيال لم تعش السياق الذي ولدت فيه.
المتوسط يحترق مجدداً من يدفع ثمن التغير المناخي؟
الصحافة اليوم:كريمة دغراش لم تكن الحرائق التي اجتاحت ضفتي المتوسط هذا…
