2026-08-04

‭”‬قناوة‭ ‬ديفيزيون‭” ‬على‭ ‬ركح‭ ‬الحمامات موسيقى‭ ‬تأبى‭ ‬التصنيف‭ ‬وتقاوم‭ ‬الزمن

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬كريمة‭ ‬دغراش

لم‭ ‬يكن‭ ‬صعود‭ ‬أمازيغ‭ ‬كاتب‭ ‬ورفاقه‭ ‬إلى‭ ‬ركح‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬الدولي،‭ ‬مساء‭ ‬الاثنين‭ ‬الماضي‭ ‬،‭ ‬ضمن‭ ‬فعاليات‭ ‬الدورة‭ ‬الستين‭ ‬لمهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬الدولي،‭ ‬مجرد‭ ‬سهرة‭ ‬موسيقية‭ ‬أضيفت‭ ‬إلى‭ ‬برنامج‭ ‬المهرجان،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬استعادةً‭ ‬لمسار‭ ‬فني‭ ‬حافظ،‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود،‭ ‬على‭ ‬خصوصيته‭ ‬خارج‭ ‬التصنيفات‭ ‬الموسيقية‭ ‬التقليدية‭. ‬

منذ‭ ‬اللحظات‭ ‬الأولى‭ ‬للحفل،‭ ‬بدا‭ ‬واضحاً‭ ‬أن‭ ‬الجمهور‭ ‬لم‭ ‬يحضر‭ ‬لاكتشاف‭ ‬الفرقة،‭ ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬لتجديد‭ ‬اللقاء‭ ‬بتجربة‭ ‬موسيقية‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬خاص‭ ‬يعرفها‭ ‬جيداً‭ ‬وكان‭ ‬لافتاً‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الحاضرين‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬لم‭ ‬يعاصر‭ ‬انطلاقة‭ “‬قناوة‭ ‬ديفيزيون‭” ‬في‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬ردد‭ ‬كثيرون‭ ‬كلمات‭ ‬الأغاني‭ ‬عن‭ ‬ظهر‭ ‬قلب‭ ‬بحماسة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬جمهورها‭ ‬الأول،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يعكس‭ ‬قدرة‭ ‬الفرقة‭ ‬على‭ ‬تجديد‭ ‬جمهورها،‭ ‬رغم‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬الصناعة‭ ‬الموسيقية‭ ‬وصعود‭ ‬أنماط‭ ‬استهلاك‭ ‬جديدة‭ ‬فرضتها‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭.‬

ومنذ‭ ‬تأسيسها‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬غرونوبل‭ ‬الفرنسية‭ ‬عام‭ ‬1992،‭ ‬لم‭ ‬تتعامل‭ “‬قناوة‭ ‬ديفيزيون‭” ‬مع‭ ‬موسيقى‭ ‬القناوة‭ ‬بوصفها‭ ‬تراثاً‭ ‬مغلقاً،‭ ‬بل‭ ‬جعلتها‭ ‬نقطة‭ ‬انطلاق‭ ‬لبناء‭ ‬مشروع‭ ‬موسيقي‭ ‬يمزج‭ ‬الإيقاعات‭ ‬الإفريقية‭ ‬بالريغي‭ ‬والروك‭ ‬والجاز‭ ‬والموسيقى‭ ‬الشعبية‭ ‬المغاربية‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬تشكل‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تجربة‭ ‬الهجرة،‭ ‬حاملاً‭ ‬في‭ ‬نصوصه‭ ‬أسئلة‭ ‬الحرية‭ ‬والهوية‭ ‬والمنفى‭ ‬والعدالة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وهي‭ ‬موضوعات‭ ‬ظلت‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬الفرقة‭ ‬بعد‭ ‬3‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬تأسيسها

وفي‭ ‬سهرة‭ ‬الاثنين‭ ‬الماضي‭ ‬وعلى‭ ‬ركح‭ ‬المسرح‭ ‬الأثري‭ ‬بالحمامات،‭ ‬حافظت‭ ‬الفرقة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ميزها‭ ‬طوال‭ ‬مسيرتها‭: ‬موسيقى‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬عناصر‭ ‬تبدو‭ ‬متباعدة‭ ‬ظاهرياً‭ ‬فقد‭ ‬احتفظت‭ ‬الإيقاعات‭ ‬المستوحاة‭ ‬من‭ ‬القناوة‭ ‬بحضورها،‭ ‬بينما‭ ‬انسجمت‭ ‬معها‭ ‬ايقاعات‭ ‬الروك‭ ‬والريغي‭ ‬والجاز،‭ ‬في‭ ‬مزج‭ ‬بدا‭ ‬طبيعياً‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬محاولة‭ ‬لإبهار‭ ‬الجمهور،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬التجريب‭ ‬وصقل‭ ‬الهوية‭ ‬الموسيقية‭ ‬للفرقة‭.‬

ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬جمهور‭ ‬الأمسية‭ ‬على‭ ‬التونسيين،‭ ‬فقد‭ ‬سجل‭ ‬حضور‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الجزائريين‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬يقضون‭ ‬عطلتهم‭ ‬الصيفية‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬الحمامات،‭ ‬ما‭ ‬أضفى‭ ‬على‭ ‬الحفل‭ ‬طابعاً‭ ‬مغاربياً‭ ‬عفوياً،‭ ‬وجعل‭ ‬من‭ ‬الموسيقى‭ ‬مساحة‭ ‬التقت‭ ‬فيها‭ ‬ذاكرة‭ ‬مشتركة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحدود‭ ‬والجغرافيا‭ ‬وربما‭ ‬حتى‭ ‬السياسة‭.‬

وعلى‭ ‬امتداد‭ ‬نحو‭ ‬ساعتين‭ ‬وبين‭ ‬العربية‭ ‬والفرنسية‭ ‬والإنقليزية‭ ‬والأمازيغية،‭ ‬تنقل‭ ‬أمازيغ‭ ‬كاتب‭ ‬وفرقته‭ ‬بين‭ ‬محطات‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬رصيدهما‭ ‬مستعدين‭ ‬أعمالاً‭ ‬شكلت‭ ‬محطات‭ ‬فارقة‭ ‬من‭ ‬مسيرة‭ ‬فنية‭ ‬قاومت‭ ‬التصنيف‭ ‬على‭ ‬غرار،‭ “‬يا‭ ‬ليلي‭” ‬و‭”‬كارافان‭” ‬و‭”‬حلال‭ ‬الليلة‭” ‬و‭”‬مليكة‭ ‬متحجبة‭”.‬

وضمن‭ ‬دورة‭ ‬تحتفي‭ ‬بستينية‭ ‬مهرجان‭ ‬عريق‭ ‬بنا‭ ‬لنفسه‭ ‬فلسفة‭ ‬خاصة‭ ‬به،‭ ‬بدا‭ ‬حضور‭ “‬قناوة‭ ‬ديفيزيون‭” ‬منسجماً‭ ‬مع‭ ‬روح‭ ‬المكان،‭ ‬فالفرقة،‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثين‭ ‬عاماً‭ ‬على‭ ‬تأسيسها،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تقدم‭ ‬نموذجاً‭ ‬لمشروع‭ ‬موسيقي‭ ‬حافظ‭ ‬على‭ ‬هويته‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬له‭ ‬جمهورا‭ ‬خاصا‭ ‬به‭ ‬يتجدد‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬السنوات‭. ‬

لقد‭ ‬أثبت‭ “‬قناوة‭ ‬ديفيزيون‭” ‬بقيادة‭ ‬أمازيغ‭ ‬كاتب‭ ‬في‭ ‬حفل‭ ‬الحمامات‭ ‬أن‭ ‬سر‭ ‬استمراريتها‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المزج‭ ‬الموسيقي‭ ‬بوصفه‭ ‬وصفة‭ ‬فنية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أولى‭ ‬وباعتباره‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬تجربة‭ ‬إنسانية‭ ‬وثقافية‭ ‬تشكلت‭ ‬بين‭ ‬ضفتي‭ ‬المتوسط،‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تحتفظ‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬مخاطبة‭ ‬أجيال‭ ‬لم‭ ‬تعش‭ ‬السياق‭ ‬الذي‭ ‬ولدت‭ ‬فيه‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

المتوسط‭ ‬يحترق‭ ‬مجدداً من‭ ‬يدفع‭ ‬ثمن‭ ‬التغير‭ ‬المناخي؟

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬كريمة‭ ‬دغراش لم‭ ‬تكن‭ ‬الحرائق‭ ‬التي‭ ‬اجتاحت‭ ‬ضفتي‭ ‬المتوسط‭ ‬هذا‭…