2026-03-29

اجراءات جديدة للحد من تمويل واردات منتجات غير ذات أولوية:   نحو دعم وتشجيع القطاعات المحلية

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬نجاة‭ ‬الحباشي

أصدر‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬التونسي‭ ‬اول‭ ‬امس‭ ‬26‭ ‬مارس‭ ‬الجاري‭ ‬منشورا‭ ‬جديدا‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬تمويل‭ ‬فئة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬واردات‭ ‬المنتجات‭ ‬غير‭ ‬ذات‭ ‬أولوية‭. ‬وينصّ‭ ‬القرار،‭ ‬الذي‭ ‬دخل‭ ‬حيّز‭ ‬التنفيذ‭ ‬على‭ ‬إلزام‭ ‬الموردين‭ ‬بتمويل‭ ‬عمليات‭ ‬التوريد‭ ‬كليا‭ ‬من‭ ‬مواردهم‭ ‬الذاتية،‭ ‬مع‭ ‬منع‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬القروض‭ ‬أو‭ ‬التسهيلات‭ ‬البنكية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬السلع‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬قوائم‭.‬

وتضم‭ ‬المنتجات‭ ‬المعنية‭ ‬بهذا‭ ‬الإجراء‭ ‬السيارات‭ ‬السياحية،‭ ‬وقوارب‭ ‬الترفيه‭ ‬واليخوت‭  ‬والأجهزة‭ ‬الكهرومنزلية،‭ ‬ومعدات‭ ‬التكييف،‭ ‬ومستحضرات‭ ‬التجميل‭ ‬والعطور‭ ‬والملابس،‭ ‬والمشروبات‭ ‬الكحولية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬بعض‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬غير‭ ‬الأساسية‭ ‬مثل‭ ‬انواع‭ ‬من‭ ‬الاجبان‭ ‬والغلال‭ ‬الاستوائية‭.‬

ويستثني‭ ‬المنشور‭ ‬الواردات‭ ‬المنجزة‭ ‬في‭ ‬اطار‭ ‬الصفقات‭ ‬العمومية‭ ‬والاحتياجات‭ ‬المباشرة‭ ‬للمؤسسات‭ ‬الصناعية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بانشطتها‭ ‬ومواد‭ ‬الاستيراد‭ ‬التي‭ ‬يتم‭  ‬تحويلها‭ ‬ثم‭ ‬اعادة‭ ‬تصديرها‭. ‬ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬المنشور‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الضغوط‭ ‬المتواصلة‭ ‬على‭ ‬احتياطات‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭ ‬وارتفاع‭ ‬اسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭ ‬جراء‭ ‬الحرب‭ ‬المتواصلة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬التي‭ ‬اشعلت‭ ‬نار‭ ‬أسعار‭ ‬المحروقات‭ ‬في‭ ‬الاسواق‭ ‬العالمية‭. ‬

وبخصوص‭ ‬ما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المنشور‭ ‬اعتبرت‭ ‬الجمعية‭ ‬الوطنية‭ ‬للمؤسسات‭ ‬الصغرى‭ ‬والمتوسطة‭ ‬ان‭ ‬ترشيد‭ ‬التوريد‭ ‬هو‭ ‬سياسة‭ ‬ضرورية‭ ‬لحماية‭ ‬الاقتصاد،ولكن‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مصحوبًا‭ ‬بسياسات‭ ‬صارمة‭ ‬لمكافحة‭ ‬الاحتكار‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬تعزيز‭ ‬المنافسة‭ ‬ومراقبة‭ ‬الأسواق،‭ ‬لضمان‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬حماية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وحماية‭ ‬المستهلك‭.‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬فعّالًا‭ ‬إذا‭ ‬طُبّق‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬يهيمن‭ ‬عليها‭ ‬الاحتكار‭.‬وفي‭ ‬غياب‭ ‬المنافسة،‭ ‬قد‭ ‬يستغل‭ ‬المنتجون‭ ‬المحليون‭ ‬الوضع‭ ‬لرفع‭ ‬الأسعار‭ ‬وتدهور‭ ‬الجودة‭.‬

من‭ ‬جهة‭ ‬اخرى‭ ‬وفي‭ ‬السياق‭ ‬ذاته‭ ‬قال‭ ‬المحلل‭ ‬المالي‭ ‬معز‭ ‬حديدان‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬المنشور‭ ‬مطلوب‭ ‬ومهم‭ ‬في‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬استيراد‭ ‬المواد‭ ‬الفاخرة‭ ‬والمواد‭ ‬غير‭ ‬الضرورية‭ ‬وغير‭ ‬الاساسية‭ ‬لافتا‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬ذلك‭ ‬مرتبط‭ ‬بصفة‭ ‬مباشرة‭ ‬بالحد‭ ‬من‭ ‬العجز‭ ‬التجاري‭ ‬التونسي‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يبلغ‭ ‬المستوى‭ ‬المرتفع‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬تسجيله‭ ‬نهاية‭ ‬2025‭ ‬والذي‭ ‬ناهز21‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬منها‭ ‬50%عجز‭ ‬طاقي‭.‬

واعتبر‭ ‬ايضا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المنشور‭ ‬يمثل‭ ‬خطوة‭ ‬مهمة‭ ‬جدا‭ ‬رغم‭ ‬تأخرها،‭ ‬ولكنها‭ ‬تبقى‭ ‬دائما‭ ‬مطلوبة‭ ‬لمكافحة‭ ‬العجز‭ ‬التجاري‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬أكبر‭ ‬مستنزف‭ ‬للمخزونات‭ ‬من‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭ ‬خاصة‭ ‬وانه‭ ‬ارتفع‭ ‬كثيرا‭ ‬السنة‭ ‬الماضية‭ ‬لدرجة‭ ‬انه‭ ‬يمتص‭ ‬مداخيل‭ ‬القطاع‭ ‬السياحي‭ ‬وتحويلات‭ ‬التونسيين‭ ‬بالخارج‭ ‬معا‭ ‬ويفوقهما‭.‬

من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭, ‬اوضح‭ ‬أن‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬بإمكانه‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬العجز‭ ‬إما‭ ‬عبر‭ ‬سياسة‭ ‬الترفيع‭ ‬في‭ ‬نسبة‭ ‬الفائدة‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬القروض‭ ‬لاستيراد‭ ‬السلع،‭ ‬وهذه‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الخبير‭ ‬غير‭ ‬مجدية‭ ‬لأن‭ ‬الترفيع‭ ‬في‭ ‬نسبة‭ ‬الفائدة‭ ‬وما‭ ‬يترتب‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬كلفة‭ ‬القروض‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬موجها‭ ‬للشركات‭ ‬المستوردة‭ ‬وانما‭ ‬موجها‭ ‬للجميع‭ ‬ولمختلف‭ ‬الاطراف‭.‬مشيرا‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬سياسة‭ ‬أخرى‭ ‬غير‭ ‬تقليدية‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬القروض‭ -‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬محبذ‭ ‬في‭ ‬نظره‭- ‬والتي‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬حصر‭ ‬العملية‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬معين‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الترفيع‭ ‬في‭ ‬نسبة‭ ‬الفائدة،موضحا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬بالإمكان‭ ‬المنع‭ ‬كليا‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الموردين‭ ‬استيراد‭ ‬المواد‭ ‬غير‭ ‬الضرورية‭ ‬بالنظر‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المنع‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬تشجيع‭ ‬الصناعة‭ ‬المحلية‭ ‬وفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬تعزيز‭ ‬القطاعات‭ ‬المحلية‭.‬

وقال‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬المفروض‭ ‬بهذا‭ ‬الإجراء‭ ‬الذي‭ ‬اتخذه‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬أن‭ ‬يتقلص‭ ‬العجز‭ ‬التجاري‭ ‬التونسي‭ ‬خلال‭ ‬2026‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬الوضعية‭ ‬الملائمة‭ ‬في‭ ‬جانفي‭ ‬وفيفري‭ ‬الماضيين،‭ ‬ولكن‭ ‬أمام‭ ‬تواصل‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬فإن‭ ‬العجز‭ ‬التجاري‭ ‬التونسي‭ ‬من‭ ‬المنتظر‭ ‬ان‭ ‬يتفاقم‭ ‬أكثر‭ ‬لاسيما‭ ‬أمام‭ ‬الزيادة‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬بالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬فرضية‭ ‬سعر‭ ‬البرميل‭ ‬الموضوعة‭ ‬في‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬2026‭ ‬والتي‭ ‬حددت‭ ‬سعر‭ ‬البرميل‭ ‬بـ63,3‭ ‬دولارا،‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬زيادة‭ ‬بدولار‭ ‬واحد‭ ‬يترتب‭ ‬عنها‭ ‬خسائر‭ ‬بـ164‭ ‬مليون‭ ‬دينار‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬بزيادة‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬تصل‭ ‬الى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬دولارات‭ ‬في‭ ‬البرميل‭ ‬الواحد‭.‬

وقال‭ ‬انه‭ ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬الأحوال‭ ‬اذا‭ ‬ما‭ ‬توقفت‭ ‬الحرب‭ ‬يمكن‭ ‬استكمال‭ ‬السنة‭ ‬الجارية‭ ‬بمعدل‭ ‬85‭ ‬دولارا‭ ‬للبرميل‭ ‬ما‭ ‬سيكون‭ ‬له‭ ‬انعكاس‭ ‬بقرابة‭ ‬زيادة‭ ‬بـ3‭ ‬أو‭ ‬4‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬لميزانية‭ ‬دعم‭ ‬المحروقات‭.‬ولفت‭ ‬الى‭ ‬أنه‭ ‬تمت‭ ‬برمجة‭ ‬ميزانية‭ ‬لدعم‭ ‬المحروقات‭ ‬سنة‭ ‬2026‭ ‬بـ5‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭.‬اما‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬الجارية‭ ‬فيمكن‭ ‬أن‭ ‬ترتفع‭ ‬كلفة‭ ‬الدعم‭  ‬إلى‭ ‬8‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬تقريبا‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬ايجاد‭ ‬الدعم‭ ‬اللازم‭ ‬للميزانية‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬عدم‭ ‬تفعيل‭ ‬آلية‭ ‬التعديل‭ ‬الآلي‭ ‬للأسعار‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة توقف الحرب في منطقة الشرق الأوسط يمنح تونس فرصة لإعادة تموضعها الاقتصادي

اعتبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬خبراء‭ ‬الأقتصاد‭ ‬أن‭ ‬توقف‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في…