2026-03-29

وفق تقارير اقتصادية: توتّرات «الشرق الأوسط» قد تنعكس سلبا على الاقتصاد الوطني

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬خالصة‭ ‬حمروني‭ ‬

في‭ ‬ظل‭ ‬تصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬2026،‭ ‬بدأت‭ ‬تداعيات‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدوده‭ ‬الإقليمية‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬اقتصادات‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الخارج،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ . ‬ورغم‭ ‬البعد‭ ‬الجغرافي‭ ‬لتونس‭ ‬عن‭ ‬دائرة‭ ‬الحرب،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التداعيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المحتملة‭ ‬تبدو‭ ‬وشيكة،‭ ‬وقد‭ ‬حذّر‭ ‬منها‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الخبراء‭ ‬والتقارير‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬اعتبرت‭ ‬أن‭ ‬تأثير‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬والنمو‭ ‬والتوازنات‭ ‬المالية‭.‬

من‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬التقارير،‭ ‬نذكر‭ ‬التقرير‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬البنك‭ ‬الأوروبي‭ ‬لإعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬والتنمية،‭ ‬الذي‭ ‬صنّف‭ ‬تونس‭ ‬ضمن‭ ‬الدول‭ ‬الأكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للتأثر‭ ‬بتداعيات‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬وتذبذب‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬العالمية‭. ‬وأوضح‭ ‬التقرير‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬لفترات‭ ‬طويلة،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬تجاوزت‭ ‬عتبة‭ ‬100‭ ‬دولار‭ ‬للبرميل،‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يخلق‭ ‬ضغوطاً‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المستوردة‭ ‬للطاقة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬تونس،‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الخارج‭ ‬لتغطية‭ ‬احتياجاتها‭ ‬من‭ ‬المحروقات‭. ‬وبيّن‭ ‬التقرير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬لا‭ ‬ينعكس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬كلفة‭ ‬الطاقة،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬التضخم،‭ ‬والمالية‭ ‬العمومية،‭ ‬والنمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬

ومن‭ ‬قبله،‭ ‬أكد‭ ‬تقرير‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ ‬المعهد‭ ‬العربي‭ ‬لرؤساء‭ ‬المؤسسات‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬القائم‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬حدثاً‭ ‬عابراً‭ ‬أو‭ ‬معزولاً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬صدمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تمتد‭ ‬تأثيراتها‭ ‬عبر‭ ‬عدة‭ ‬قنوات‭ ‬رئيسية‭. ‬وتتمثل‭ ‬هذه‭ ‬القنوات‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة،‭ ‬وزيادة‭ ‬كلفة‭ ‬المواد‭ ‬الأولية،‭ ‬واضطراب‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬محتمل‭ ‬في‭ ‬مصادر‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭ ‬مثل‭ ‬السياحة‭ ‬وتحويلات‭ ‬التونسيين‭ ‬بالخارج،‭ ‬وهي‭ ‬عناصر‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التونسي‭.‬

ويُذكر‭ ‬أن‭ ‬ميزانية‭ ‬الدولة‭ ‬لسنة‭ ‬2026‭ ‬تم‭ ‬إعدادها‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬فرضية‭ ‬سعر‭ ‬نفط‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬63.3‭ ‬دولارا‭ ‬للبرميل،‭ ‬وهو‭ ‬مستوى‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يعكس‭ ‬واقع‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬ارتفاعاً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة‭. ‬ففي‭ ‬حال‭ ‬استقرار‭ ‬الأسعار‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬100‭ ‬دولار‭ ‬للبرميل،‭ ‬فإن‭ ‬كلفة‭ ‬دعم‭ ‬المحروقات‭ ‬قد‭ ‬ترتفع‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬لتتجاوز‭ ‬10‭ ‬مليارات‭ ‬دينار،‭ ‬مقارنة‭ ‬بتقديرات‭ ‬أولية‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭. ‬وقد‭ ‬يضع‭ ‬هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬المالية‭ ‬العمومية‭ ‬أمام‭ ‬تحديات‭ ‬جدية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالعجز‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬النفقات‭ ‬الأساسية‭ ‬دون‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬إجراءات‭ ‬تقشفية‭ ‬إضافية‭.‬

ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬آثار‭ ‬هذه‭ ‬الصدمة‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬المالي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬الأداء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العام‭. ‬إذ‭ ‬يُتوقع‭ ‬أن‭ ‬يتراجع‭ ‬معدل‭ ‬النمو‭ ‬من‭ ‬3.3‭ %‬إلى‭ ‬حوالي‭ ‬2.3‭ %‬في‭ ‬حال‭ ‬استمرار‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة،‭ ‬وقد‭ ‬ينخفض‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬سيناريوهات‭ ‬أشد‭ ‬سوءاً‭. ‬ويعود‭ ‬ذلك‭ ‬أساساً‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والنقل‭ ‬والطاقة،‭ ‬ما‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬نشاط‭ ‬المؤسسات‭ ‬ويحدّ‭ ‬من‭ ‬الاستثمار‭ ‬والاستهلاك‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬يُرجح‭ ‬أن‭ ‬يشهد‭ ‬معدل‭ ‬التضخم‭ ‬ارتفاعاً‭ ‬من‭ ‬5.5‭ %‬إلى‭ ‬نحو‭ %‬6.5،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمواطنين‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬لدى‭ ‬الفئات‭ ‬ذات‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التوازنات‭ ‬الخارجية،‭ ‬فإن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التونسي‭ ‬يواجه‭ ‬تحدياً‭ ‬إضافياً‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬فاتورة‭ ‬واردات‭ ‬الطاقة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تتجاوز‭ ‬20‭ ‬مليار‭ ‬دينار،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬فيه‭ ‬مصادر‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭ ‬الأخرى‭ ‬عرضة‭ ‬للتقلب‭. ‬فالقطاع‭ ‬السياحي،‭ ‬رغم‭ ‬تعافيه‭ ‬النسبي،‭ ‬يبقى‭ ‬مرتبطا‭ ‬بالاستقرار‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي،‭ ‬بينما‭ ‬تتأثر‭ ‬تحويلات‭ ‬التونسيين‭ ‬بالخارج،‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬بأي‭ ‬تباطؤ‭ ‬اقتصادي‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬عالمياً‭. ‬وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬احتياطي‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭ ‬ويحدّ‭ ‬من‭ ‬هامش‭ ‬التحرك‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الاقتصادية‭.‬

وتنعكس‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬قطاعات‭ ‬إنتاجية‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬متكافئ‭. ‬فالقطاع‭ ‬الفلاحي‭ ‬يتأثر‭ ‬بارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الأسمدة‭ ‬والنقل،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يواجه‭ ‬قطاع‭ ‬النقل‭ ‬الجوي‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬التكاليف‭ ‬واحتمالات‭ ‬اضطراب‭ ‬المسارات‭ ‬الجوية‭. ‬أما‭ ‬صادارات‭ ‬القطاع‭ ‬الصناعي‭ (‬مثل‭ ‬الصناعات‭ ‬الميكانيكية‭ ‬والكهربائية‭) ‬،‭ ‬فهي‭ ‬مرتبطة‭ ‬بشكل‭ ‬وثيق‭ ‬بالطلب‭ ‬الأوروبي،‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يتباطأ‭ ‬بدوره‭ ‬نتيجة‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬نفسها،‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬الصادرات‭ ‬التونسية‭ ‬وفرص‭ ‬التشغيل‭.‬

كما‭ ‬تظهر‭ ‬آثار‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية،‭ ‬مثل‭ ‬ارتفاع‭ ‬التضخم‭ ‬،‭ ‬تزايد‭ ‬مخاطر‭ ‬المضاربة‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الداخلية،‭ ‬واحتمال‭ ‬تراجع‭ ‬بعض‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬اضطرابات‭ ‬محتملة‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬العالمية‭. ‬

في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الوضع،‭ ‬تدعو‭ ‬التقارير‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬مقاربة‭ ‬استباقية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬المخزونات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬والمواد‭ ‬الأساسية،‭ ‬وتوجيه‭ ‬الدعم‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬نحو‭ ‬الفئات‭ ‬والقطاعات‭ ‬الأكثر‭ ‬هشاشة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تشديد‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬الاحتكار‭ ‬والمضاربة‭. ‬كما‭ ‬يتم‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬تسريع‭ ‬الانتقال‭ ‬الطاقي‭ ‬نحو‭ ‬مصادر‭ ‬بديلة،‭ ‬باعتباره‭ ‬خياراً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬لتقليص‭ ‬التبعية‭ ‬للخارج،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إصلاحات‭ ‬هيكلية‭ ‬في‭ ‬مناخ‭ ‬الاستثمار‭ ‬وقوانين‭ ‬الصرف‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التونسي‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الصدمات‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

تقرير «جاهزية الأعمال 2025»: تونس تحتل المرتبة الخامسة من أصل عشر دول إفريقية شملها التصنيف

جاءت تونس في تقرير «جاهزية الأعمال 2025» الصادر عن البنك الدولي في المرتبة الخامسة من أصل …