لمواجهة تداعيات الحرب في الشرق الأوسط بين إسعاف الخارج وواجب الداخل
الصحافة اليوم : عادل البرينصي
في لحظات الأزمات الكبرى، حين تضطرب خرائط العالم وتختلط الحسابات الاقتصادية بالوقائع الجيوسياسية، لا يكون أمام الدول إلا أن تبحث عن أدوات سريعة للنجاة. إعلان البنك الدولي استعداده لدعم الدول المتضررة من تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، عبر التمويل السريع والمساندة الفنية، يبدو في ظاهره عرضاً تقنياً، لكنه في عمقه اعتراف بأن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة جديدة من الهشاشة.
تونس، مثل غيرها من الدول، ليست بمنأى عن هذه الارتدادات. بل لعلها من بين أكثر البلدان عرضة للتأثر، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي، بل أيضاً بسبب وضعها الاقتصادي الذي لم يتعافَ بعد من أزمات متتالية. ارتفاع أسعار الطاقة، اضطراب سلاسل التوريد، تقلب أسعار المواد الغذائية، كلها عوامل تضغط على اقتصاد يعاني أصلاً من اختلالات هيكلية.
في هذا السياق، يبدو اللجوء إلى أدوات التمويل السريع التي يتيحها البنك الدولي خياراً واقعياً، وربما ضرورياً على المدى القريب. فالدولة، حين تواجه صدمة خارجية مفاجئة، تحتاج إلى سيولة مالية عاجلة تُمكّنها من الحفاظ على توازناتها الأساسية: دعم المواد الحيوية، تأمين الطاقة، والحفاظ على حد أدنى من الاستقرار الاجتماعي.
لكن هذا االإسعاف الخارجيب، مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يتحول إلى بديل دائم. فالمساعدات، بطبيعتها، تُعالج الأعراض أكثر مما تُعالج الأسباب. هي تُخفف الضغط، لكنها لا تُزيله. وهنا تكمن المفارقة التي تواجهها تونس اليوم: الحاجة الملحة إلى الدعم الخارجي، مقابل ضرورة بناء قدرة داخلية تقلل من هذه الحاجة في المستقبل.
الاقتصاد التونسي، في صورته الحالية، يشبه سفينة تسير في بحر متقلب، تعتمد في جزء كبير من توازنها على ما يأتيها من الخارج: طاقة مستوردة، مواد أولية، وحتى جزء من غذائها. ومع كل أزمة دولية، ترتفع كلفة هذا الاعتماد، ويصبح الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات.
من هنا، فإن الاستجابة الحقيقية لا يمكن أن تكون مالية فقط، بل يجب أن تكون استراتيجية. على المدى القريب، قد يكون من الضروري الاستفادة من آليات التمويل السريع التي يوفرها البنك الدولي، لتفادي الاختناقات الكبرى. لكن على المدى المتوسط والبعيد، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن لتونس أن تقلل من هشاشتها أمام الأزمات الخارجية؟
الإجابة تبدأ من الطاقة. فالفاتورة الطاقية تظل أحد أكبر مصادر الضغط على الاقتصاد. كل ارتفاع في أسعار النفط أو الغاز يترجم مباشرة إلى عجز إضافي في الميزان التجاري. لذلك فإن الاستثمار في الطاقات المتجددة لم يعد خياراً بيئياً فحسب، بل أصبح خياراً سيادياً. كل ميغاواط يُنتج محلياً من الشمس أو الرياح هو خطوة نحو تقليص التبعية للخارج.
ثم يأتي الغذاء. فالأزمات العالمية تُظهر دائماً هشاشة الأمن الغذائي في الدول التي تعتمد على التوريد. تونس، رغم ما تمتلكه من إمكانات فلاحية، لا تزال في حاجة إلى تعزيز إنتاجها المحلي، وتطوير سلاسل التوزيع، وتقليص الفاقد. الأمن الغذائي ليس شعاراً، بل هو خط الدفاع الأول في أوقات الأزمات.
لكن الاستراتيجيات لا تُبنى فقط على القطاعات، بل أيضاً على الوعي. المجتمع، في مثل هذه الظروف، يصبح جزءاً من المعادلة. حين يدرك المواطن أن العالم يعيش حالة اضطراب، وأن الموارد قد تصبح أكثر كلفة أو ندرة، يمكن أن يتبنى سلوكيات أكثر ترشيداً: في الاستهلاك، في استخدام الطاقة، وفي التعامل مع الموارد.
هذا البعد التوعوي غالباً ما يُهمَل، لكنه لا يقل أهمية عن السياسات الاقتصادية. فالأزمات الكبرى لا تُدار فقط من فوق، بل أيضاً من داخل المجتمع. والبلدان التي تنجح في عبور هذه الأزمات هي تلك التي يتحول فيها الوعي العام إلى جزء من الحل.
التعاون الدولي، في هذا السياق، يظل ضرورياً. العلاقات مع المؤسسات المالية، ومع الشركاء الدوليين، يمكن أن توفر لتونس هامشاً أوسع للتحرك و ربما يكون الدرس الأهم من الأزمات العالمية المتكررة هو أن الاستقرار لم يعد حالة دائمة، بل استثناء مؤقت. العالم يتغير بسرعة، والأحداث الكبرى أصبحت أكثر تكراراً وتأثيراً. في مثل هذا العالم، لا يكفي أن تكون لديك حلول جاهزة، بل يجب أن تكون لديك قدرة مستمرة على التكيف.
في النهاية، يمكن القول إن عرض البنك الدولي هو فرصة، لكنه أيضاً اختبار. فرصة لتخفيف الضغط في لحظة صعبة، واختبار لقدرة تونس على تحويل هذه اللحظة إلى نقطة انطلاق نحو نموذج اقتصادي أكثر صلابة.
فبين إسعاف الخارج وواجب الداخل، تتحدد معالم المرحلة القادمة. وإذا كان الخارج قادراً على أن يمدّ يد المساعدة، فإن الداخل وحده قادر على أن يبني مناعة دائمة.
حين تعود تونس إلى أرضها: الفلاحة كخيار سيادي لا كقطاع ثانوي
في بلدٍ ظلّ طويلاً يتأرجح بين أوهام الاقتصاد السريع وحقائق الأرض الص…

