2026-03-29

لمواجهة تداعيات الحرب في الشرق الأوسط بين إسعاف الخارج وواجب الداخل

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬عادل‭ ‬البرينصي

في‭ ‬لحظات‭ ‬الأزمات‭ ‬الكبرى،‭ ‬حين‭ ‬تضطرب‭ ‬خرائط‭ ‬العالم‭ ‬وتختلط‭ ‬الحسابات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بالوقائع‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬أمام‭ ‬الدول‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬أدوات‭ ‬سريعة‭ ‬للنجاة‭. ‬إعلان‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬استعداده‭ ‬لدعم‭ ‬الدول‭ ‬المتضررة‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬عبر‭ ‬التمويل‭ ‬السريع‭ ‬والمساندة‭ ‬الفنية،‭ ‬يبدو‭ ‬في‭ ‬ظاهره‭ ‬عرضاً‭ ‬تقنياً،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬عمقه‭ ‬اعتراف‭ ‬بأن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬دخل‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الهشاشة‭.‬

تونس،‭ ‬مثل‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬ليست‭ ‬بمنأى‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الارتدادات‭. ‬بل‭ ‬لعلها‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أكثر‭ ‬البلدان‭ ‬عرضة‭ ‬للتأثر،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بحكم‭ ‬موقعها‭ ‬الجغرافي،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بسبب‭ ‬وضعها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتعافَ‭ ‬بعد‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬متتالية‭. ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة،‭ ‬اضطراب‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد،‭ ‬تقلب‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬تضغط‭ ‬على‭ ‬اقتصاد‭ ‬يعاني‭ ‬أصلاً‭ ‬من‭ ‬اختلالات‭ ‬هيكلية‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبدو‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬التمويل‭ ‬السريع‭ ‬التي‭ ‬يتيحها‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬خياراً‭ ‬واقعياً،‭ ‬وربما‭ ‬ضرورياً‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القريب‭. ‬فالدولة،‭ ‬حين‭ ‬تواجه‭ ‬صدمة‭ ‬خارجية‭ ‬مفاجئة،‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سيولة‭ ‬مالية‭ ‬عاجلة‭ ‬تُمكّنها‭ ‬من‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬توازناتها‭ ‬الأساسية‭: ‬دعم‭ ‬المواد‭ ‬الحيوية،‭ ‬تأمين‭ ‬الطاقة،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭.‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬االإسعاف‭ ‬الخارجيب،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬أهميته،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬بديل‭ ‬دائم‭. ‬فالمساعدات،‭ ‬بطبيعتها،‭ ‬تُعالج‭ ‬الأعراض‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تُعالج‭ ‬الأسباب‭. ‬هي‭ ‬تُخفف‭ ‬الضغط،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تُزيله‭. ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬المفارقة‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬تونس‭ ‬اليوم‭: ‬الحاجة‭ ‬الملحة‭ ‬إلى‭ ‬الدعم‭ ‬الخارجي،‭ ‬مقابل‭ ‬ضرورة‭ ‬بناء‭ ‬قدرة‭ ‬داخلية‭ ‬تقلل‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحاجة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

الاقتصاد‭ ‬التونسي،‭ ‬في‭ ‬صورته‭ ‬الحالية،‭ ‬يشبه‭ ‬سفينة‭ ‬تسير‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬متقلب،‭ ‬تعتمد‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬توازنها‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يأتيها‭ ‬من‭ ‬الخارج‭: ‬طاقة‭ ‬مستوردة،‭ ‬مواد‭ ‬أولية،‭ ‬وحتى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬غذائها‭. ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬أزمة‭ ‬دولية،‭ ‬ترتفع‭ ‬كلفة‭ ‬هذا‭ ‬الاعتماد،‭ ‬ويصبح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للصدمات‭.‬

من‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬الاستجابة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مالية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬استراتيجية‭. ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القريب،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬آليات‭ ‬التمويل‭ ‬السريع‭ ‬التي‭ ‬يوفرها‭ ‬البنك‭ ‬الدولي،‭ ‬لتفادي‭ ‬الاختناقات‭ ‬الكبرى‭. ‬لكن‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط‭ ‬والبعيد،‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحاً‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لتونس‭ ‬أن‭ ‬تقلل‭ ‬من‭ ‬هشاشتها‭ ‬أمام‭ ‬الأزمات‭ ‬الخارجية؟

الإجابة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭. ‬فالفاتورة‭ ‬الطاقية‭ ‬تظل‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬مصادر‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭. ‬كل‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬أو‭ ‬الغاز‭ ‬يترجم‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬عجز‭ ‬إضافي‭ ‬في‭ ‬الميزان‭ ‬التجاري‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬خياراً‭ ‬بيئياً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬خياراً‭ ‬سيادياً‭. ‬كل‭ ‬ميغاواط‭ ‬يُنتج‭ ‬محلياً‭ ‬من‭ ‬الشمس‭ ‬أو‭ ‬الرياح‭ ‬هو‭ ‬خطوة‭ ‬نحو‭ ‬تقليص‭ ‬التبعية‭ ‬للخارج‭.‬

ثم‭ ‬يأتي‭ ‬الغذاء‭. ‬فالأزمات‭ ‬العالمية‭ ‬تُظهر‭ ‬دائماً‭ ‬هشاشة‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬التوريد‭. ‬تونس،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬تمتلكه‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭ ‬فلاحية،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬إنتاجها‭ ‬المحلي،‭ ‬وتطوير‭ ‬سلاسل‭ ‬التوزيع،‭ ‬وتقليص‭ ‬الفاقد‭. ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬ليس‭ ‬شعاراً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭.‬

لكن‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬القطاعات،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬الوعي‭. ‬المجتمع،‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف،‭ ‬يصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬المعادلة‭. ‬حين‭ ‬يدرك‭ ‬المواطن‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يعيش‭ ‬حالة‭ ‬اضطراب،‭ ‬وأن‭ ‬الموارد‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬كلفة‭ ‬أو‭ ‬ندرة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتبنى‭ ‬سلوكيات‭ ‬أكثر‭ ‬ترشيداً‭: ‬في‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الطاقة،‭ ‬وفي‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الموارد‭.‬

هذا‭ ‬البعد‭ ‬التوعوي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يُهمَل،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭. ‬فالأزمات‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬تُدار‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬فوق،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭. ‬والبلدان‭ ‬التي‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬عبور‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يتحول‭ ‬فيها‭ ‬الوعي‭ ‬العام‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الحل‭.‬

التعاون‭ ‬الدولي،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يظل‭ ‬ضرورياً‭. ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية،‭ ‬ومع‭ ‬الشركاء‭ ‬الدوليين،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬توفر‭ ‬لتونس‭ ‬هامشاً‭ ‬أوسع‭ ‬للتحرك‭ ‬و‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬الدرس‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭ ‬العالمية‭ ‬المتكررة‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الاستقرار‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬حالة‭ ‬دائمة،‭ ‬بل‭ ‬استثناء‭ ‬مؤقت‭. ‬العالم‭ ‬يتغير‭ ‬بسرعة،‭ ‬والأحداث‭ ‬الكبرى‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬تكراراً‭ ‬وتأثيراً‭. ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬العالم،‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لديك‭ ‬حلول‭ ‬جاهزة،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لديك‭ ‬قدرة‭ ‬مستمرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬عرض‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬هو‭ ‬فرصة،‭ ‬لكنه‭ ‬أيضاً‭ ‬اختبار‭. ‬فرصة‭ ‬لتخفيف‭ ‬الضغط‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬صعبة،‭ ‬واختبار‭ ‬لقدرة‭ ‬تونس‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬انطلاق‭ ‬نحو‭ ‬نموذج‭ ‬اقتصادي‭ ‬أكثر‭ ‬صلابة‭.‬

فبين‭ ‬إسعاف‭ ‬الخارج‭ ‬وواجب‭ ‬الداخل،‭ ‬تتحدد‭ ‬معالم‭ ‬المرحلة‭ ‬القادمة‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الخارج‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يمدّ‭ ‬يد‭ ‬المساعدة،‭ ‬فإن‭ ‬الداخل‭ ‬وحده‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يبني‭ ‬مناعة‭ ‬دائمة‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

حين تعود تونس إلى أرضها: الفلاحة كخيار سيادي لا كقطاع ثانوي

في‭ ‬بلدٍ‭ ‬ظلّ‭ ‬طويلاً‭ ‬يتأرجح‭ ‬بين‭ ‬أوهام‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السريع‭ ‬وحقائق‭ ‬الأرض‭ ‬الص…