كارثة صامتة تضرب الفلاحة التونسية: التّين الشوكي يندثر والفلاح ضحيّة الحشرة القرمزية
الصحافة اليوم : مصباح الجدي
لم يكن التين الشوكي في تونس مجرد نبات ينمو على هامش الحقول أو في الأراضي القاحلة، بل كان لعقود طويلة أحد أعمدة التوازن الفلاحي والبيئي والاجتماعي في البلاد. هذه النبتة التي تأقلمت مع قسوة المناخ وشحّ المياه، تحولت اليوم إلى رمز لأزمة عميقة تضرب القطاع الفلاحي، بعد أن اجتاحتها الحشرة القرمزية ودفعتها إلى حافة الانهيار.
تغطي زراعة التين الشوكي مساحات واسعة تُقدّر بحوالي 600 ألف هكتار، ويعتمد عليها عشرات الآلاف من الفلاحين كمورد رزق مباشر أو كمصدر دعم لأنشطتهم الزراعية وتربية الماشية. غير أن هذه الأرقام التي كانت تعكس نجاح تجربة فلاحية متكاملة، أصبحت اليوم مؤشراً مقلقاً على حجم الخسائر، في ظل تراجع الإنتاج بشكل لافت منذ ظهور الحشرة القرمزية سنة 2021 وانتشارها السريع في عدة مناطق.
ففي مناطق الوسط والجنوب الغربي، لم يكن التين الشوكي مجرد محصول فلاحي، بل كان يشكل اسوراً طبيعياًب يحمي الأراضي من التصحر وزحف الرمال، ويؤدي دوراً بيئياً في تثبيت التربة وتنظيم المجال الفلاحي وهو ايضا يشكل أحد أهم مصادر الأعلاف للماشية. ومع تدهور هذه النبتة، فقدت آلاف الهكتارات هذا الحاجز الحيوي، مما ينذر بتداعيات بيئية خطيرة، خاصة في المناطق الهشة التي تعتمد على توازنات دقيقة.
وتكمن خطورة الحشرة القرمزية في طبيعتها التدميرية وسرعة انتشارها، إذ تقوم بامتصاص عصارة النبتة إلى أن تذبل وتموت بالكامل. كما أن امتلاكها لطبقة شمعية واقية يجعل مقاومتها بالوسائل التقليدية أمراً بالغ الصعوبة، وهو ما ساهم في فشل العديد من محاولات المكافحة الفردية، وفتح المجال أمام تفاقم الأزمة.
ولم تتوقف تداعيات هذه الكارثة عند حدود الإنتاج النباتي، بل امتدت بشكل مباشر إلى قطاع تربية الماشية. ففي المناطق الجافة، يمثل التين الشوكي مصدراً أساسياً للأعلاف، نظراً لكونه غنيا بالمياه والعناصر الغذائية، وقدرته على تعويض جزء مهم من الأعلاف المركزة. ومع تراجعه، وجد مربو الماشية أنفسهم أمام ارتفاع غير مسبوق في كلفة التغذية، ما زاد من هشاشة صغار الفلاحين وعمّق أزمة الإنتاج الحيواني.
اقتصادياً، تكبد القطاع خسائر متعددة الأبعاد وفق تأكيدات عدد من الفلاحين. فقد تراجعت الصناعات المرتبطة بالتين الشوكي، وخاصة إنتاج زيت بذوره الذي يعد من المنتجات التصديرية ذات القيمة العالية. كما تأثرت اليد العاملة الموسمية، ولا سيما النساء في المناطق الريفية، اللواتي كنّ يعتمدن على جني الثمار كمصدر دخل موسمي. وتشير التقديرات إلى انخفاض الإنتاج بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، في مؤشر واضح على عمق الأزمة.
ورغم أن الحشرة القرمزية تمثل تهديداً بيولوجياً حقيقياً، إلا أن ما زاد من حدة الكارثة هو بطء الاستجابة في مراحلها الأولى. فقد نبه مختصون منذ البداية إلى ضرورة اعتماد حلول بيولوجية مستدامة، غير أن التدخلات تأخرت، ما أتاح للآفة الانتشار على نطاق واسع يصعب احتواؤه اليوم. كما كشفت هذه الأزمة عن نقاط ضعف هيكلية، من بينها محدودية الإرشاد الفلاحي، وضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين، وغياب استثمار كافٍ في البحث العلمي التطبيقي.
ينتظر تدشينه السنة القادمة: مشروع الطريق السيارة تونس – جلمة يتقدم بنسبة 38 %
يشهد مشروع الطريق السيارة الرابط بين تونس العاصمة وجلمة بولاية سيدي بوزيد تقدماً ملحوظاً، …

