الباكالوريا كحدث إعلامي: كيف تصنع الدولة والإعلام ومنصّات التواصل رواية الباكالوريا كل سنة؟
الصحافة اليوم: مصباح الجدي
في شهر جوان من كل سنة، لا تخوض تونس امتحانات الباكالوريا فحسب، بل تعيش حدثًا إعلاميًا وطنيًا متكامل الأركان. فالمسألة تتجاوز مجرد اختبارات مدرسية إلى بناء سردية جماعية تشارك في إنتاجها الدولة ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. وتتحول الباكالوريا من حدث تربوي إلى مناسبة وطنية تستأثر بالاهتمام العام، وتفرض نفسها على أجندة النقاش العمومي.من منظور علوم الإعلام والاتصال، يمكن فهم هذه الظاهرة من خلال نظرية ابناء الأجندة الإعلاميةب، التي ترى أن وسائل الإعلام لا تخبر الناس بما يفكرون فيه فقط، بل تحدد أيضًا القضايا التي ينبغي أن يفكروا فيها. فمع انطلاق موعد الامتحانات، تتصدر الباكالوريا نشرات الأخبار والبرامج الإذاعية والتلفزية والمواقع الإلكترونية والصحف اليومية، بينما تتراجع ملفات أخرى قد تكون أكثر أهمية من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية.
بهذا المعنى، تصبح الباكالوريا القضية المركزية التي تحتل المجال العام لأسابيع كاملة. ويتحول الحديث عن الامتحانات إلى حديث يومي في المقاهي ووسائل النقل والإدارات والمؤسسات التعليمية وحتى داخل الأسر. إن الإعلام هنا لا يعكس الواقع فقط، بل يساهم في ترتيب أولويات الاهتمام الجماعي.
لكن صناعة الحدث لا تتوقف عند اختيار الموضوع، بل تمتد إلى الطريقة التي يتم بها تقديمه. وهنا يبرز مفهوم االتأطير الإعلاميب. فوسائل الإعلام لا تقدم الباكالوريا بوصفها مجرد امتحان، وإنما تضعها داخل أطر دلالية محددة: إطار التحدي، وإطار المصير، وإطار النجاح أو الفشل.
نسمع عبارات من قبيل اامتحان العمرب واالمحطة الحاسمةب وارهان المستقبلب. هذه التعبيرات ليست بريئة لغويًا، بل تساهم في بناء صورة ذهنية تجعل من الباكالوريا حدثًا استثنائيًا ومفصليًا في حياة التلميذ. ونتيجة لذلك، قد يتحول الامتحان من استحقاق أكاديمي عادي إلى مصدر ضغط نفسي واجتماعي هائل.
وتلعب الدولة بدورها دورًا محوريًا في إنتاج هذه الرواية. فالمؤسسات الرسمية لا تكتفي بتنظيم الامتحان، بل تعمل أيضًا على إضفاء طابع رمزي عليه. فالبلاغات الرسمية، والندوات الصحفية، والزيارات الميدانية للوزراء والولاة والمعتمدين، كلها رسائل اتصالية تهدف إلى تأكيد أهمية الحدث وإبراز قدرة الدولة على إدارته وحمايته.
إذ تتحول الباكالوريا إلى طقس وطني جماعي يشبه المناسبات الكبرى التي توحد اهتمام الجمهور. فالكاميرات تنتشر أمام مراكز الامتحان، والصحفيون يلاحقون ردود أفعال التلاميذ، والأولياء ينتظرون خارج الأسوار في مشاهد تتكرر كل سنة وتتحول تدريجيًا إلى جزء من الذاكرة الجماعية للتونسيين.
غير أن المشهد الإعلامي لم يعد حكرًا على المؤسسات التقليدية. فقد فرضت منصات التواصل الاجتماعي نفسها كفاعل أساسي في صناعة رواية الباكالوريا. بل يمكن القول إن هذه المنصات أصبحت في أحيان كثيرة تنافس الرواية الرسمية أو حتى تسبقها.
ففي الفضاء الرقمي، يتبادل التلاميذ النصائح والتوقعات، وتنتشر الأخبار بسرعة قياسية، كما تتكاثر الإشاعات والتسريبات الحقيقية أو المفترضة. وهنا تظهر بوضوح ديناميكية الاتصال الشبكي الذي لم يعد الجمهور فيه مجرد متلقٍ للرسائل، بل أصبح منتجًا لها ومشاركًا في إعادة صياغتها ونشرها.
وفي كل موسم امتحانات، يعود إلى الواجهة ملف الغش الإلكتروني، بما يرافقه من خطابات تحذيرية وإجراءات استثنائية. ويمكن تحليل هذه الظاهرة من خلال مفهوم االذعر الأخلاقيب، حيث يتم تقديم الغش بوصفه تهديدًا خطيرًا للقيم التعليمية ولنزاهة المجتمع بأسره.
ولا يعني ذلك التقليل من خطورة الظاهرة، وإنما الإشارة إلى أن التغطية الإعلامية المكثفة لها قد تجعلها أحيانًا تبدو أكبر من حجمها الواقعي، بما يؤدي إلى خلق حالة من التوتر الجماعي والقلق العام. وهكذا يصبح الغش ليس مجرد مخالفة فردية، بل قضية أخلاقية ووطنية تحتل صدارة النقاش العمومي.
أما عند الإعلان عن النتائج، فتبلغ الرواية الإعلامية ذروتها. إذ يتم الاحتفاء بالمتفوقين وتحويلهم إلى رموز للنجاح والاجتهاد، بينما تُروى قصصهم بوصفها نماذج ملهمة. وفي المقابل، تغيب غالبًا قصص آلاف المترشحين الآخرين الذين عاشوا تجارب مختلفة ومعقدة لا تختزلها المعدلات والأرقام.
إن الباكالوريا في تونس ليست مجرد امتحان مدرسي، بل هي بناء رمزي وإعلامي تشارك في إنتاجه مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام والجمهور الرقمي. فكل سنة، لا يتم تنظيم اختبار أكاديمي فقط، بل يتم أيضًا إنتاج سردية وطنية حول النجاح والاستحقاق والمستقبل والعدالة الاجتماعية.
ويبقى السؤال الجوهري: هل تصنع وسائل الإعلام حدث الباكالوريا لأنها تعكس أهميته الحقيقية في المجتمع، أم أن الباكالوريا تكتسب جزءًا كبيرًا من هذه الأهمية بسبب الطريقة التي يتم بها تقديمها وتأطيرها إعلاميًا؟
لعل الإجابة تكمن في التفاعل المستمر بين الواقع والتمثلات الإعلامية؛ فالإعلام لا يخلق الحدث من العدم، لكنه يمنحه حجمًا ومعنى ورمزية قد تتجاوز أحيانًا الحدث نفسه.
أول أيام الباكالوريا: إجراءات مشدّدة.. وترقّب كبير
الصحافة اليوم:مصباح الجدي فتحت المعاهد الثانوية أبوابها لاستقبال آل…
