2026-06-05

الباكالوريا‭ ‬كحدث‭ ‬إعلامي‭: ‬ كيف‭ ‬تصنع‭ ‬الدولة‭ ‬والإعلام‭ ‬ومنصّات‭ ‬التواصل‭ ‬رواية‭ ‬الباكالوريا‭ ‬كل‭ ‬سنة؟

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬

في‭ ‬شهر‭ ‬جوان‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬سنة،‭ ‬لا‭ ‬تخوض‭ ‬تونس‭ ‬امتحانات‭ ‬الباكالوريا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تعيش‭ ‬حدثًا‭ ‬إعلاميًا‭ ‬وطنيًا‭ ‬متكامل‭ ‬الأركان‭. ‬فالمسألة‭ ‬تتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬اختبارات‭ ‬مدرسية‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬سردية‭ ‬جماعية‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬إنتاجها‭ ‬الدولة‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬ومنصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭. ‬وتتحول‭ ‬الباكالوريا‭ ‬من‭ ‬حدث‭ ‬تربوي‭ ‬إلى‭ ‬مناسبة‭ ‬وطنية‭ ‬تستأثر‭ ‬بالاهتمام‭ ‬العام،‭ ‬وتفرض‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬أجندة‭ ‬النقاش‭ ‬العمومي‭.‬من‭ ‬منظور‭ ‬علوم‭ ‬الإعلام‭ ‬والاتصال،‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نظرية‭ ‬ابناء‭ ‬الأجندة‭ ‬الإعلاميةب،‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬لا‭ ‬تخبر‭ ‬الناس‭ ‬بما‭ ‬يفكرون‭ ‬فيه‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تحدد‭ ‬أيضًا‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يفكروا‭ ‬فيها‭. ‬فمع‭ ‬انطلاق‭ ‬موعد‭ ‬الامتحانات،‭ ‬تتصدر‭ ‬الباكالوريا‭ ‬نشرات‭ ‬الأخبار‭ ‬والبرامج‭ ‬الإذاعية‭ ‬والتلفزية‭ ‬والمواقع‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والصحف‭ ‬اليومية،‭ ‬بينما‭ ‬تتراجع‭ ‬ملفات‭ ‬أخرى‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أو‭ ‬الاجتماعية‭.‬

بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬تصبح‭ ‬الباكالوريا‭ ‬القضية‭ ‬المركزية‭ ‬التي‭ ‬تحتل‭ ‬المجال‭ ‬العام‭ ‬لأسابيع‭ ‬كاملة‭. ‬ويتحول‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الامتحانات‭ ‬إلى‭ ‬حديث‭ ‬يومي‭ ‬في‭ ‬المقاهي‭ ‬ووسائل‭ ‬النقل‭ ‬والإدارات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬وحتى‭ ‬داخل‭ ‬الأسر‭. ‬إن‭ ‬الإعلام‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬الواقع‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬ترتيب‭ ‬أولويات‭ ‬الاهتمام‭ ‬الجماعي‭.‬

لكن‭ ‬صناعة‭ ‬الحدث‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬اختيار‭ ‬الموضوع،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬بها‭ ‬تقديمه‭. ‬وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬مفهوم‭ ‬االتأطير‭ ‬الإعلاميب‭. ‬فوسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬لا‭ ‬تقدم‭ ‬الباكالوريا‭ ‬بوصفها‭ ‬مجرد‭ ‬امتحان،‭ ‬وإنما‭ ‬تضعها‭ ‬داخل‭ ‬أطر‭ ‬دلالية‭ ‬محددة‭: ‬إطار‭ ‬التحدي،‭ ‬وإطار‭ ‬المصير،‭ ‬وإطار‭ ‬النجاح‭ ‬أو‭ ‬الفشل‭.‬

نسمع‭ ‬عبارات‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬اامتحان‭ ‬العمرب‭ ‬واالمحطة‭ ‬الحاسمةب‭ ‬وارهان‭ ‬المستقبلب‭. ‬هذه‭ ‬التعبيرات‭ ‬ليست‭ ‬بريئة‭ ‬لغويًا،‭ ‬بل‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬صورة‭ ‬ذهنية‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الباكالوريا‭ ‬حدثًا‭ ‬استثنائيًا‭ ‬ومفصليًا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬التلميذ‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬الامتحان‭ ‬من‭ ‬استحقاق‭ ‬أكاديمي‭ ‬عادي‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬ضغط‭ ‬نفسي‭ ‬واجتماعي‭ ‬هائل‭.‬

وتلعب‭ ‬الدولة‭ ‬بدورها‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًا‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭. ‬فالمؤسسات‭ ‬الرسمية‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بتنظيم‭ ‬الامتحان،‭ ‬بل‭ ‬تعمل‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬إضفاء‭ ‬طابع‭ ‬رمزي‭ ‬عليه‭. ‬فالبلاغات‭ ‬الرسمية،‭ ‬والندوات‭ ‬الصحفية،‭ ‬والزيارات‭ ‬الميدانية‭ ‬للوزراء‭ ‬والولاة‭ ‬والمعتمدين،‭ ‬كلها‭ ‬رسائل‭ ‬اتصالية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تأكيد‭ ‬أهمية‭ ‬الحدث‭ ‬وإبراز‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬إدارته‭ ‬وحمايته‭.‬

إذ‭ ‬تتحول‭ ‬الباكالوريا‭ ‬إلى‭ ‬طقس‭ ‬وطني‭ ‬جماعي‭ ‬يشبه‭ ‬المناسبات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬توحد‭ ‬اهتمام‭ ‬الجمهور‭. ‬فالكاميرات‭ ‬تنتشر‭ ‬أمام‭ ‬مراكز‭ ‬الامتحان،‭ ‬والصحفيون‭ ‬يلاحقون‭ ‬ردود‭ ‬أفعال‭ ‬التلاميذ،‭ ‬والأولياء‭ ‬ينتظرون‭ ‬خارج‭ ‬الأسوار‭ ‬في‭ ‬مشاهد‭ ‬تتكرر‭ ‬كل‭ ‬سنة‭ ‬وتتحول‭ ‬تدريجيًا‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬للتونسيين‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬المشهد‭ ‬الإعلامي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬حكرًا‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬التقليدية‭. ‬فقد‭ ‬فرضت‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬نفسها‭ ‬كفاعل‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬رواية‭ ‬الباكالوريا‭. ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬المنصات‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬كثيرة‭ ‬تنافس‭ ‬الرواية‭ ‬الرسمية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تسبقها‭.‬

ففي‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي،‭ ‬يتبادل‭ ‬التلاميذ‭ ‬النصائح‭ ‬والتوقعات،‭ ‬وتنتشر‭ ‬الأخبار‭ ‬بسرعة‭ ‬قياسية،‭ ‬كما‭ ‬تتكاثر‭ ‬الإشاعات‭ ‬والتسريبات‭ ‬الحقيقية‭ ‬أو‭ ‬المفترضة‭. ‬وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬ديناميكية‭ ‬الاتصال‭ ‬الشبكي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الجمهور‭ ‬فيه‭ ‬مجرد‭ ‬متلقٍ‭ ‬للرسائل،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬منتجًا‭ ‬لها‭ ‬ومشاركًا‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬صياغتها‭ ‬ونشرها‭.‬

وفي‭ ‬كل‭ ‬موسم‭ ‬امتحانات،‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬ملف‭ ‬الغش‭ ‬الإلكتروني،‭ ‬بما‭ ‬يرافقه‭ ‬من‭ ‬خطابات‭ ‬تحذيرية‭ ‬وإجراءات‭ ‬استثنائية‭. ‬ويمكن‭ ‬تحليل‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مفهوم‭ ‬االذعر‭ ‬الأخلاقيب،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬تقديم‭ ‬الغش‭ ‬بوصفه‭ ‬تهديدًا‭ ‬خطيرًا‭ ‬للقيم‭ ‬التعليمية‭ ‬ولنزاهة‭ ‬المجتمع‭ ‬بأسره‭.‬

ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬خطورة‭ ‬الظاهرة،‭ ‬وإنما‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التغطية‭ ‬الإعلامية‭ ‬المكثفة‭ ‬لها‭ ‬قد‭ ‬تجعلها‭ ‬أحيانًا‭ ‬تبدو‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬حجمها‭ ‬الواقعي،‭ ‬بما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬الجماعي‭ ‬والقلق‭ ‬العام‭. ‬وهكذا‭ ‬يصبح‭ ‬الغش‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مخالفة‭ ‬فردية،‭ ‬بل‭ ‬قضية‭ ‬أخلاقية‭ ‬ووطنية‭ ‬تحتل‭ ‬صدارة‭ ‬النقاش‭ ‬العمومي‭.‬

أما‭ ‬عند‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬النتائج،‭ ‬فتبلغ‭ ‬الرواية‭ ‬الإعلامية‭ ‬ذروتها‭. ‬إذ‭ ‬يتم‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالمتفوقين‭ ‬وتحويلهم‭ ‬إلى‭ ‬رموز‭ ‬للنجاح‭ ‬والاجتهاد،‭ ‬بينما‭ ‬تُروى‭ ‬قصصهم‭ ‬بوصفها‭ ‬نماذج‭ ‬ملهمة‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تغيب‭ ‬غالبًا‭ ‬قصص‭ ‬آلاف‭ ‬المترشحين‭ ‬الآخرين‭ ‬الذين‭ ‬عاشوا‭ ‬تجارب‭ ‬مختلفة‭ ‬ومعقدة‭ ‬لا‭ ‬تختزلها‭ ‬المعدلات‭ ‬والأرقام‭.‬

إن‭ ‬الباكالوريا‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬امتحان‭ ‬مدرسي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬بناء‭ ‬رمزي‭ ‬وإعلامي‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬إنتاجه‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬والجمهور‭ ‬الرقمي‭. ‬فكل‭ ‬سنة،‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬تنظيم‭ ‬اختبار‭ ‬أكاديمي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يتم‭ ‬أيضًا‭ ‬إنتاج‭ ‬سردية‭ ‬وطنية‭ ‬حول‭ ‬النجاح‭ ‬والاستحقاق‭ ‬والمستقبل‭ ‬والعدالة‭ ‬الاجتماعية‭.‬

ويبقى‭ ‬السؤال‭ ‬الجوهري‭: ‬هل‭ ‬تصنع‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬حدث‭ ‬الباكالوريا‭ ‬لأنها‭ ‬تعكس‭ ‬أهميته‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الباكالوريا‭ ‬تكتسب‭ ‬جزءًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأهمية‭ ‬بسبب‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬بها‭ ‬تقديمها‭ ‬وتأطيرها‭ ‬إعلاميًا؟

لعل‭ ‬الإجابة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬التفاعل‭ ‬المستمر‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬والتمثلات‭ ‬الإعلامية؛‭ ‬فالإعلام‭ ‬لا‭ ‬يخلق‭ ‬الحدث‭ ‬من‭ ‬العدم،‭ ‬لكنه‭ ‬يمنحه‭ ‬حجمًا‭ ‬ومعنى‭ ‬ورمزية‭ ‬قد‭ ‬تتجاوز‭ ‬أحيانًا‭ ‬الحدث‭ ‬نفسه‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

أول‭ ‬أيام‭ ‬الباكالوريا‭:‬ ‭ ‬إجراءات‭ ‬مشدّدة‭.. ‬وترقّب‭ ‬كبير

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬ ‭  ‬فتحت‭ ‬المعاهد‭ ‬الثانوية‭ ‬أبوابها‭ ‬لاستقبال‭ ‬آل…