بين هاجس النزاهة وتحديات التكنولوجيا: الغش الإلكتروني..معركة متجددة كل عام في الباكالوريا
الصحافة اليوم: مصباح الجدي
مع انطلاق امتحانات الباكالوريا في تونس، يعود الحديث بقوة عن ظاهرة الغش الإلكتروني التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكبر التحديات التي تواجه المنظومة التربوية.فبين تشديد وزارة التربية على ضرورة حماية مصداقية الامتحانات الوطنية واتخاذ إجراءات رقابية صارمة، تتواصل محاولات بعض الشبكات المختصة في الغش لتطوير أساليبها ومواكبة كل التدابير الجديدة، ما يجعل المعركة مفتوحة ومتجددة من دورة إلى أخرى.
وخلال الاجتماعات التي عقدتها المندوبيات الجهوية للتربية هذه الأيام مع الأساتذة المكلفين بمراقبة الامتحانات، حضر ملف الغش الإلكتروني بقوة. إذ تم التأكيد على ضرورة اليقظة والتفطن إلى مختلف الأساليب المستحدثة التي قد يعتمدها بعض المترشحين. غير أن بعض المراقبين يعتبرون أن حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم أصبح كبيراً، خاصة مع تطور وسائل الغش وصعوبة اكتشاف بعضها، إلى درجة يرى معها البعض أن الخطاب الموجه إليهم يحمل أحياناً نوعاً من الضغط النفسي ومسؤولية ظاهرة تتجاوز في كثير من الأحيان إمكانيات المراقبة التقليدية.
في المقابل، تؤكد وزارة التربية أن الحفاظ على مبدإ تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين يقتضي مواصلة الحرب على الغش بمختلف أشكاله. وقد شدد وزير التربية في أكثر من مناسبة على ضرورة التصدي لهذه الظاهرة التي تمس مصداقية الامتحانات الوطنية وقيمة الشهادات العلمية، معتبراً أن نجاح أي إصلاح تربوي يمر عبر ضمان نزاهة التقييم والامتحانات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه كل سنة هو: إلى أي مدى يمكن القضاء على الغش الإلكتروني في ظل التطور التكنولوجي المتسارع؟
ففي الوقت الذي أصبحت فيه الهواتف الذكية أكثر تطوراً، ظهرت أيضاً وسائل غش دقيقة يصعب اكتشافها بالعين المجردة، من بينها السماعات الصغيرة جداً التي توضع داخل الأذن، والتي يطلق عليها التونسيون عادة اسم االحمصةب. وتقوم بعض الشبكات الخارجية بالتواصل مع المترشح أثناء الامتحان وتزويده بالإجابات أو المساعدة المطلوبة دون إثارة الشبهات، خاصة إذا كانت وسائل الكشف المتاحة محدودة أو غير قادرة على رصد هذه الأجهزة المتطورة.
وتشير معطيات متداولة في الأوساط التربوية إلى أن شبكات ما يعرف بـاالكيتب أصبحت تنشط بشكل منظم خلال فترة الامتحانات الوطنية، مستفيدة من التطور التقني ومن الطلب المتزايد على خدماتها من بعض التلاميذ الباحثين عن النجاح بأي وسيلة. كما يتحدث كثيرون خاصة من الاساتذة أنفسهم عبر تدوينات في مواقع التواصل الاجتماعي عن مبالغ مالية كبيرة يتم تداولها في هذا المجال، حيث قد يصل ثمن الاتفاق بين بعض هذه الشبكات والمترشحين إلى ما يقارب ألف دينار للتلميذ الواحد، وهو رقم يعكس حجم الأموال التي يتم تداولها في سوق موازية قائمة على استغلال قلق المترشحين ورغبتهم في النجاح.
ومع كل إجراء جديد تتخذه الوزارة، تسعى هذه الشبكات إلى ابتكار أساليب جديدة للتحايل، ما يجعل المواجهة أقرب إلى سباق دائم بين الرقابة والتكنولوجيا. لذلك ترتفع أصوات عديدة مطالبة باتخاذ إجراءات أكثر جذرية، من بينها قطع خدمات الإنترنات خلال ساعات الامتحانات في محيط المؤسسات التربوية أو على المستوى الوطني لفترات محدودة، وهو إجراء اعتمدته بعض الدول خلال الامتحانات الرسمية بهدف الحد من عمليات التواصل الإلكتروني وتسريب المواضيع.
غير أن هذا المقترح لا يحظى بإجماع كامل، إذ يرى منتقدوه أن قطع الإنترنات قد يؤثر على مصالح اقتصادية وإدارية وخدماتية واسعة، في حين يعتبر مؤيدوه أن نزاهة امتحان وطني مصيري مثل الباكالوريا تستحق إجراءات استثنائية ومؤقتة إذا ثبتت نجاعتها.
وفي خضم هذا الجدل، يبقى الرهان الحقيقي أعمق من مجرد الإجراءات الأمنية أو التقنية. فمكافحة الغش لا تتعلق فقط بالكشف عن الأجهزة المحظورة أو ملاحقة الشبكات المنظمة، بل ترتبط أيضاً بترسيخ ثقافة الاستحقاق لدى التلاميذ وتعزيز الثقة في قيمة العمل والاجتهاد. فكل نجاح يتم تحقيقه بالغش هو في النهاية خسارة للمعرفة وللمنظومة التربوية وللمجتمع بأسره.
ومهما تعددت الوسائل والأساليب، فإن الحفاظ على مصداقية الباكالوريا التونسية يظل مسؤولية جماعية تتقاسمها الوزارة والإطار التربوي والأولياء والتلاميذ أنفسهم. فهذه الشهادة التي شكلت لعقود رمزاً للجدارة والاستحقاق لا يمكن أن تحافظ على مكانتها إلا إذا انتصر فيها العلم على التحيل، والكفاءة على الغش.
انطلاق الدورة الرئيسية للباكالوريا محطة حاسمة في مسار آلاف التلاميذ…
الصحافة اليوم:مصباح الجدي تنطلق غدا الأربعاء امتحانات الباكالوريا في …
