تأشيرة أمريكا للتونسيين بضمان يصل إلى 15 ألف دولار: تشديد أمريكي على تأشيرات السفر في سياق عالمي متحوّل
أعادت السفارة الأمريكية لدى تونس ملف تأشيرات السفر إلى الواجهة، بعد إعلانها فرض ضمان مالي قد يصل إلى 15 ألف دولار على التونسيين المتحصلين على تأشيرة دخول من نوع B1/B2 (سياحة/أعمال)، وذلك ابتداءً من 2 أفريل 2026. قرار أثار تفاعلات واسعة، لا فقط بسبب قيمته المالية المرتفعة، بل أيضًا لما يحمله من دلالات تتجاوز الإجراء التقني إلى أبعاد مرتبطة بسياسات الهجرة والتحولات الدولية في هذا المجال.
ويتمثل هذا الإجراء في إلزام بعض طالبي التأشيرة، بعد الموافقة على ملفاتهم، بإيداع مبلغ مالي يُسترجع لاحقًا في حال الالتزام بشروط الإقامة، خاصة مغادرة الأراضي الأمريكية قبل انتهاء مدة التأشيرة. وبذلك، لا يُعدّ المبلغ معلومًا قنصليًا إضافيًا بقدر ما هو «ضمان» أو «تأمين» يهدف إلى الحد من تجاوزات الإقامة غير القانونية.
ويشمل القرار التونسيين المتحصلين على تأشيرات سواء لأول مرة أو في إطار التجديد، B2/B1.
في حين لا ينطبق على من لديهم تأشيرات سارية قبل 2 أفريل 2026، كما يستثني الطلبة الحاصلين على تأشيرات الدراسة M و F.
ووفق ما أعلنته السفارة، فإن التأشيرة الممنوحة في هذا الإطار ستكون صالحة لدخول واحد ولمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، ما يعكس توجّهًا نحو مزيد من التقييد مقارنة بالسابق.
خلفية: من أين جاءت فكرة «ضمان التأشيرة»؟
لا يُعدّ هذا الإجراء سابقة مطلقة في السياسة الأمريكية، بل يندرج ضمن مقترحات وإجراءات تم تداولها منذ سنوات، خاصة خلال إدارة دونالد ترامب، التي سعت إلى تشديد الرقابة على الهجرة القانونية وغير القانونية على حد سواء. ففي سنة 2020، طرحت وزارة الخارجية الأمريكية مشروع «Visa Bond Pilot Program» الذي يقوم على فرض ضمانات مالية على مواطني بعض الدول التي تُسجل نسبًا مرتفعة في تجاوز مدة التأشيرة.
ورغم أن البرنامج لم يُعمم بشكل واسع آنذاك، إلا أن فكرته ظلت قائمة ضمن أدوات إدارة ملف الهجرة، ليُعاد تفعيلها أو توسيعها بشكل انتقائي وفق تقييمات دورية. ويبدو أن إدراج تونس ضمن قائمة الدول المعنية بهذا الإجراء يرتبط، وفق مراقبين، بمؤشرات تتعلق بنسب رفض التأشيرات أو تجاوز مدة الإقامة، إضافة إلى السياق العام لتشديد سياسات الهجرة في الولايات المتحدة.
تشديد متصاعد على الهجرة
ويأتي هذا القرار في سياق عالمي يتسم بتزايد القيود على الهجرة، سواء النظامية أو غير النظامية. فقد شهدت السنوات الأخيرة توجهًا لدى العديد من الدول الغربية نحو تعزيز الرقابة على الحدود وتشديد شروط منح التأشيرات، في ظل ضغوط اقتصادية وأمنية متنامية.
وفي هذا الإطار، تعتمد الولايات المتحدة، إلى جانب أدواتها التقليدية، مقاربات جديدة من بينها الأدوات المالية، مثل فرض الضمانات، كوسيلة ردع غير مباشرة. فبدل الاقتصار على دراسة الملفات والوثائق، يتم تحميل المسافر مسؤولية إضافية عبر ربط التزامه القانوني بمخاطر مالية في حال الإخلال بالشروط.
رغم خصوصية هذا القرار، إلا أن فكرته ليست بعيدة عن ممارسات دولية أخرى، وإن كانت بصيغ مختلفة. فدول مثل كندا والمملكة المتحدة تفرض شروطًا مالية صارمة لإثبات القدرة على تغطية تكاليف السفر والإقامة، لكنها لا تعتمد نظام الإيداع المالي القابل للاسترجاع. في المقابل، تلجأ أستراليا في بعض الحالات المحدودة إلى طلب «ضمان مالي» من فئات تعتبرها ذات مخاطر مرتفعة، ما يجعل النموذج الأمريكي أكثر وضوحًا وصراحة في هذا المجال.
عمليًا، من المنتظر أن يُحدث هذا الإجراء تأثيرًا مباشرًا على التونسيين الراغبين في السفر إلى الولايات المتحدة. فرغم أن المبلغ يُسترجع لاحقًا، إلا أن قيمته المرتفعة قد تمثل عائقًا فعليًا أمام شريحة واسعة من المتقدمين، خاصة الشباب أو أصحاب الدخل المحدود.
كما قد يدفع هذا القرار البعض إلى إعادة النظر في وجهات السفر، أو تأجيل مشاريع مهنية وسياحية كانت مرتبطة بالولايات المتحدة. وفي المقابل، قد يساهم في تقليص عدد الطلبات أو في تحسين نسب الالتزام بشروط التأشيرة، وهو الهدف الأساسي الذي تسعى إليه السلطات الأمريكية.
في موازاة ذلك، شددت السفارة الأمريكية على ضرورة عدم دفع أي مبالغ قبل إجراء المقابلة، محذّرة من انتشار عمليات تحيّل عبر وسطاء غير رسميين. وأكدت أن الدفع المسبق لا يضمن الحصول على التأشيرة، وأن أي مبلغ يُدفع قبل المقابلة غير قابل للاسترجاع، في حين يُعاد مبلغ الضمان فقط بعد الالتزام بكافة الشروط.
وفي تعقيبه على هذا القرار، اعتبر نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية والتونسيين بالخارج والهجرة وعضو اللجنة البرلمانية التونسية الأوروبية كمال الكرعاني في تصريح لـ«الصحافة اليوم» أن الإجراء الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية والمتعلق بتأشيرات الأعمال والسياحة، والذي دخل حيّز التنفيذ بداية من 2 أفريل، لا يهم تونس فقط بل يشمل قرابة خمسين دولة.
وأوضح الكرعاني أن هذا المستجد سيُطرح للنقاش صلب اللجنة البرلمانية المختصة، في إطار متابعة تداعياته وانعكاساته على التونسيين، خاصة من حيث كلفة السفر وإمكانية النفاذ إلى التأشيرة. كما أشار إلى إمكانية فتح قنوات تواصل مع السفارة الأمريكية بتونس، من أجل التداول بشأن هذا الإجراء والنظر في سبل مراجعته أو التخفيف من حدّته، بما يراعي خصوصية الوضع التونسي ويضمن في الآن ذاته مصالح المواطنين.
ويعكس هذا التوجه البرلماني إدراكًا لحساسية الملف، في ظل تزايد القيود المرتبطة بالتنقل الدولي، وما يمكن أن تخلّفه مثل هذه الإجراءات من تأثيرات مباشرة على فرص السفر والتبادل الاقتصادي والثقافي.
وإجمالًا، يؤكد قرار فرض ضمان مالي على التأشيرات أن ملف الهجرة لم يعد يُدار فقط عبر الإجراءات الإدارية التقليدية، بل أصبح مجالًا لتجريب أدوات جديدة ذات طابع اقتصادي وردعي. وبين من يراه إجراءً تنظيميًا مشروعًا ومن يعتبره عائقًا إضافيًا أمام حرية التنقل، يبقى هذا القرار مؤشرًا على مرحلة جديدة من التشدد في سياسات التأشيرات، قد لا تقتصر على تونس وحدها في المستقبل.
لجنة المالية تنظر في مشروع القانون الأساسي لتنقيح الميزانية: نحو حوكمة مالية أكثر صرامة
انطلقت لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب، في اجتماعها أول أمس الإثنين 4 ماي 2026، …

