فيلم” الروندة 13″ في القاعات التونسية والفرنسية: حين تتحول السينما إلى مرآة للألم والأمل
انطلق الفيلم الروائي الطويل الروندة 13 للمخرج محمد علي النهدي في عروض بقاعات السينما في تونس وفرنسا، بعد مسار لافت في عدد من المهرجانات الدولية تُوّج خلاله بعدة جوائز ابرزها فوز الممثلة التونسية عفاف بن محمود بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في الفيلم، خلال حفل اختتام الدورة الـ46 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي.
هذا العمل السينمائي من إنتاج مالك كشباطي، وإخراج محمد علي النهدي، ويجمع في بطولته كلًا من عفاف بن محمود وحلمي الدريدي، مع مشاركة خاصة للفنان القدير الأمين النهدي.
وبدأ عرض الفيلم في تونس بداية من 8 أفريل، ، فيما انطلق عرضه في القاعات الفرنسية يوم 29 أفريل، بعد تقديمه في باريس يوم 7 أفريل. هذا التوزيع الثنائي يعكس طموح العمل في تجاوز الحدود المحلية، والانفتاح على جمهور أوسع، خاصة في ظل الاهتمام المتزايد بالسينما التونسية في الخارج.
هذا الفيلم يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية مكثفة تراهن على البعد الإنساني العميق، وتطرح أسئلة وجودية من قلب الواقع الاجتماعي التونسي.
يروي “الروندة 13” قصة كمال، بطل ملاكمة إفريقي سابق، يجد نفسه فجأة أمام معركة من نوع آخر، حين يصاب ابنه بمرض خطير يهدد حياته. من حلبة الملاكمة، حيث كانت المواجهة جسدية ومباشرة، ينتقل كمال إلى صراع داخلي مع الألم والخوف والعجز.
في قلب هذه التجربة، تقف زوجته سامية إلى جانبه، لتتحول الحكاية إلى رحلة مشتركة بين أب وأم يواجهان مصيراً مجهولاً. فيلم لا يكتفي بسرد مأساة عائلية، بل يغوص في أعماق النفس البشرية، كاشفاً هشاشتها وقوتها في الآن ذاته، في سرد يتأرجح بين الانكسار والرغبة في الصمود.
أداء تمثيلي يلامس الصدق
ويعتمد الفيلم بشكل كبير على قوة الأداء التمثيلي، حيث تبرز عفاف بن محمود في دور الأم، مقدّمة واحداً من أكثر أدوارها نضجاً، إذ تنقل بتفاصيل دقيقة حالات الحزن والانكسار، دون مبالغة أو افتعال، ما يجعل الشخصية قريبة من المتلقي.
كما يقدّم حليم الدريدي أداءً متماسكاً في دور الأب، في حين يضفي حضور الأمين النهدي بعداً إنسانياً إضافياً على العمل. غير أن المفاجأة الحقيقية تأتي من الطفل الهادي بن جبورية، الذي يقدّم أداءً عفوياً وعميقاً، يشي بموهبة واعدة قادرة على فرض نفسها.
وقد بدا واضحاً تأثير هذه العناصر مجتمعة خلال العرض الاول ضمن فعاليات أيام قرطاج السينمائية في ديسمبر الفارط، حيث تفاعل الجمهور بشكل كبير، في مشاهد اختلطت فيها الدموع بالصمت، في دليل على قوة الشحنة العاطفية التي يحملها الفيلم.
الملاسينة فضاء درامي حي
وقد اختار المخرج أن تدور أحداث الفيلم في منطقة الملاسين بالعاصمة، وهو اختيار لم يكن اعتباطياً، بل يعكس رغبة في الاقتراب من واقع اجتماعي معقد. من خلال هذا الفضاء، يرصد العمل تفاصيل الحياة في الأحياء الشعبية، حيث تتداخل معاناة الأفراد مع إشكاليات أوسع، مثل الفقر، وتراجع المنظومة الصحية، والهجرة، والبحث اليومي عن مورد رزق.
الفيلم لا يقدّم خطاباً مباشراً، بل يكتفي بطرح هذه القضايا من خلال الشخصيات، تاركاً للمشاهد مساحة التأويل، وهو ما يمنحه بعداً واقعياً وإنسانياً في آن واحد.
وفي تصريحاته، شدد المخرج محمد علي النهدي على أن “الروندة 13” هو قبل كل شيء فيلم عن “صراع البقاء”، حيث تتقاطع خيوط الحب والتضحية داخل قصة موجعة، لكنها صادقة. هذا الرهان على الصدق يبدو واضحاً في مختلف عناصر العمل، من السيناريو إلى الأداء، مروراً بالتصوير الذي يقترب من الشخصيات دون تزييف.
كما حرص المخرج على تكريم المكان الذي احتضن التصوير، موجهاً تحية لأهالي الملاسين، ومهدياً العمل لوالدته الفنانة سعاد محاسن، في لفتة إنسانية تضيف بعداً شخصياً للتجربة.
من بين القصص اللافتة التي رافقت الفيلم، تجربة اكتشاف الطفل الهادي بن جبورية، الذي التقى بالمخرج صدفة في الحي، قبل أن يتحول إصراره إلى فرصة حقيقية قادته إلى دور البطولة.
قصة تلامس الوجدان
وفي حديثه عن خلفيات العمل، يؤكد المخرج محمد علي النهدي أن فيلم الروندة 13 أُنجز بقدر كبير من الصدق، مشيراً إلى أنه يمثل أيضاً تكريماً للأطفال المصابين بمرض السرطان، وهي زاوية إنسانية منحت العمل عمقاً إضافياً. ويكشف النهدي أن احدى الشخصيات في الفيلم، وهو الممرض، يستند إلى تجربة حقيقية عاشها، بعد أن فقد ابنته بسبب هذا المرض، وهو ما ساهم في نقل مشاعر صادقة ومؤثرة إلى الشاشة، وجعل القصة أكثر قدرة على ملامسة وجدان المتلقي.
كما اعتبر المخرج أن التحدي الأكبر في إنجاز الفيلم لم يكن في الموضوع في حد ذاته، بقدر ما كان في كيفية معالجته سينمائياً، خاصة وأن هذه القضية طُرحت سابقاً في تجارب متعددة. لذلك، سعى إلى تقديم معالجة مختلفة تقوم على أسلوب سردي خاص، يبتعد عن النمطية، ويمنح القصة التراجيدية أبعاداً إنسانية جديدة.
اجمالا، يقدّم “الروندة 13” تجربة سينمائية متكاملة، تقوم على توازن دقيق بين البعد الإنساني والطرح الاجتماعي يراوح بين الألم والامل والخيط الفاصل بين الانكسار والقدرة على النهوض من جديد.
وزارة السياحة تنطلق في عملية مسح شاملة للنزل ومراقبة الأنشطة السياحية: توجّه نحو تنويع المنتوج السياحي
أعلنت مديرة إدارة الإحاطة بالمنتوج بالديوان الوطني التونسي للسياحة أمال…
