2026-06-11

‭ ‬في‭ ‬عرضين‭ ‬متتاليين‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع مسرحية‭ “‬جاكراندا‭” ‬بقاعة‭ ‬الفن‭ ‬الرابع

الصحافة‭ ‬اليوم،‭ ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

يستعيد‭ ‬جمهور‭ ‬المسرح‭ ‬التونسي‭ ‬يومي‭ ‬12‭ ‬و13‭ ‬جوان‭ ‬الجاري‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬عروض‭ ‬الموسم‭ ‬المسرحي‭ ‬الأخير،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إعادة‭ ‬تقديم‭ ‬مسرحية‭ ‬اجاكرانداب‭ ‬للكاتب‭ ‬والدراماتورج‭ ‬عبد‭ ‬الحليم‭ ‬المسعودي‭ ‬والمخرج‭ ‬نزار‭ ‬السعيدي،‭ ‬وهي‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬أثارت‭ ‬منذ‭ ‬عرضها‭ ‬الأول‭ ‬اهتمام‭ ‬النقاد‭ ‬والمتابعين‭ ‬لما‭ ‬حملته‭ ‬من‭ ‬أسئلة‭ ‬جمالية‭ ‬وفكرية‭ ‬عميقة‭ ‬حول‭ ‬المجتمع‭ ‬التونسي‭ ‬وتحوّلاته‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭.‬

حكاية‭ ‬عائلة‭… ‬وحكاية‭ ‬وطن

تدور‭ ‬أحداث‭ ‬المسرحية‭ ‬داخل‭ ‬مركز‭ ‬للاتصالات‭ ‬تملكه‭ ‬عائلة‭ ‬نافذة،‭ ‬وذلك‭ ‬إثر‭ ‬الوفاة‭ ‬الغامضة‭ ‬لصاحبه‭ ‬االنصراويب‭ ‬وما‭ ‬يرافقها‭ ‬من‭ ‬صراعات‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬والنفوذ‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬والعاملين‭ ‬بالمركز‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الحكاية‭ ‬العائلية‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬مدخل‭ ‬إلى‭ ‬حكاية‭ ‬أوسع،‭  ‬وهي‭ ‬حكاية‭ ‬تونس‭ ‬نفسها‭ ‬خلال‭ ‬مرحلة‭ ‬اتسمت‭ ‬بالاضطراب‭ ‬القيمي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والسياسي‭.‬

ومن‭ ‬خلال‭ ‬شخصيات‭ ‬مثل‭ ‬اهارونب‭ ‬واجويدةب‭ ‬واالكالعيب‭ ‬واألفةب‭ ‬واعفافب‭ ‬تنجح‭ ‬المسرحية‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬فسيفساء‭ ‬بشرية‭ ‬تعكس‭ ‬هشاشة‭ ‬الأفراد‭ ‬وهم‭ ‬يواجهون‭ ‬العزلة‭ ‬والخوف‭ ‬وانهيار‭ ‬المعاني‭ ‬الكبرى‭. ‬فالجميع‭ ‬يبدو‭ ‬محاصراً‭ ‬بماضيه،‭ ‬وعاجزاً‭ ‬عن‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬أفق‭ ‬جديد‭ ‬للخلاص‭.‬

لقد‭ ‬بدا‭ ‬العرض،‭ ‬كما‭ ‬أشرنا‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬سابقاً،‭ ‬أشبه‭ ‬بـاتراجيديا‭ ‬يومية‭ ‬لكائنات‭ ‬لا‭ ‬تحتمل‭ ‬عزلتهاب،‭ ‬حيث‭ ‬يتقاطع‭ ‬الخاص‭ ‬والعام،‭ ‬والعائلي‭ ‬بالسياسي،‭ ‬لتتحول‭ ‬الخشبة‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬يكشف‭ ‬الأعطاب‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬أصابت‭ ‬الوعي‭ ‬الجماعي‭ ‬التونسي‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الأخير‭.‬

جاكراندا‭… ‬استعارة‭ ‬للهشاشة‭ ‬الإنسانية

لم‭ ‬يكن‭ ‬اختيار‭ ‬عنوان‭ ‬اجاكرانداب‭ ‬اعتباطياً‭. ‬فشجرة‭ ‬الجاكراندا‭ ‬المعروفة‭ ‬بأزهارها‭ ‬البنفسجية‭ ‬الجميلة‭ ‬والهشة،‭ ‬رغم‭ ‬صلابة‭ ‬جذعها‭ ‬وأغصانها،‭ ‬تتحول‭ ‬داخل‭ ‬العرض‭ ‬إلى‭ ‬استعارة‭ ‬مكثفة‭ ‬لشخصيات‭ ‬تبدو‭ ‬قوية‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬بينما‭ ‬تخفي‭ ‬في‭ ‬أعماقها‭ ‬جراحاً‭ ‬وانكسارات‭ ‬وعزلة‭ ‬روحية‭ ‬قاسية‭.‬

وتتجلى‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬مركز‭ ‬النداء‭ ‬فضاءً‭ ‬للأحداث‭. ‬فالمكان‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬رمزاً‭ ‬للتواصل‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬للعجز‭ ‬عن‭ ‬التواصل‭ ‬الحقيقي،‭ ‬وإلى‭ ‬صورة‭ ‬مكبرة‭ ‬لمجتمع‭ ‬يزداد‭ ‬فيه‭ ‬الضجيج‭ ‬بينما‭ ‬تتعمق‭ ‬فيه‭ ‬الوحدة‭ ‬الإنسانية‭.‬

رؤية‭ ‬إخراجية‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬جوهر‭ ‬المسرح

اختار‭ ‬نزار‭ ‬السعيدي‭ ‬بناء‭ ‬عالم‭ ‬العرض‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬فراغ‭ ‬ركحي‭ ‬شبه‭ ‬كامل،‭ ‬مع‭ ‬اعتماد‭ ‬سينوغرافيا‭ ‬مقتصدة‭ ‬ومناخ‭ ‬بصري‭ ‬قاتم،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬منح‭ ‬الممثلين‭ ‬مساحة‭ ‬واسعة‭ ‬لحمل‭ ‬الخطاب‭ ‬الدرامي‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬التحولات‭ ‬النفسية‭ ‬العنيفة‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬الشخصيات‭.‬

  ‬وقد‭ ‬راهنت‭ ‬الرؤية‭ ‬الإخراجية‭ ‬على‭ ‬الجسد‭ ‬والصوت‭ ‬والحضور‭ ‬الإنساني‭ ‬المباشر،‭ ‬في‭ ‬انسجام‭ ‬واضح‭ ‬مع‭ ‬التصور‭ ‬الفكري‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬السعيدي‭ ‬والمسعودي،‭ ‬والقائم‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬الممثل‭ ‬جوهر‭ ‬العملية‭ ‬المسرحية‭ ‬وحامل‭ ‬معناها‭ ‬الأساسي‭.‬

حضور‭ ‬لافت‭ ‬وتتويجات‭ ‬مستحقة

منذ‭ ‬تقديمها‭ ‬الأول‭ ‬ضمن‭ ‬إنتاجات‭ ‬المسرح‭ ‬الوطني‭ ‬الشاب‭ ‬لسنة‭ ‬2025،‭ ‬حظيت‭ ‬اجاكرانداب‭ ‬باهتمام‭ ‬نقدي‭ ‬واسع،‭ ‬واعتبرها‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المتابعين‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الأعمال‭ ‬المسرحية‭ ‬التونسية‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬واصلت‭ ‬تقليد‭ ‬تشريح‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والنفسي‭ ‬التونسي‭ ‬بلغة‭ ‬فنية‭ ‬عالية‭ ‬وحس‭ ‬تراجيدي‭ ‬واضح‭.‬

كما‭ ‬شاركت‭ ‬المسرحية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬التظاهرات‭ ‬المسرحية‭ ‬الوطنية‭ ‬والعربية،‭ ‬وحصدت‭ ‬إشادات‭ ‬نقدية‭ ‬وجوائز‭ ‬هامة‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬قرطاج‭ ‬المسرحية‭ ‬وفي‭ ‬مهرجانات‭ ‬عربية‭ ‬أخرى‭ ‬بفضل‭ ‬جودة‭ ‬نصها‭ ‬وأداء‭ ‬ممثليها‭ ‬ورؤيتها‭ ‬الإخراجية‭ ‬المتماسكة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬واصلت‭ ‬حياتها‭ ‬بعد‭ ‬العرض‭ ‬الأول‭ ‬ونجحت‭ ‬في‭ ‬استقطاب‭ ‬جمهور‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬محطة‭ ‬تعرض‭ ‬فيها‭.‬

ومع‭ ‬عودتها‭ ‬إلى‭ ‬الركح‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬جوان‭ ‬الجاري،‭ ‬تبدو‭ ‬اجاكرانداب‭ ‬فرصة‭ ‬متجددة‭ ‬لاكتشاف‭ ‬عمل‭ ‬مسرحي‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بسرد‭ ‬حكاية‭ ‬عائلة‭ ‬متصدعة،‭ ‬بل‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالاً‭ ‬وجودياً‭ ‬عميقاً‭ ‬حول‭ ‬جيل‭ ‬كامل‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬وسط‭ ‬ركام‭ ‬الأحلام‭ ‬المؤجلة‭ ‬والأوهام‭ ‬المنهارة،‭ ‬باحثاً‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬جديد‭ ‬للحياة‭ ‬وعن‭ ‬إمكانية‭ ‬البدء‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

مهرجان‭ ‬روتردام‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬جديدة‭: ‬ سوريا‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬البرمجة‭ ‬والمخرجة‭ ‬التونسية‭”‬إيمان‭ ‬بن‭ ‬حسين‭”‬في‭ ‬لجنة‭ ‬التحكيم

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي من‭ ‬10‭ ‬إلى‭ ‬14‭ ‬جوان‭ ‬2026،‭ ‬تتحوّل‭ ‬مدينة‭ ‬رو…