في عرضين متتاليين نهاية الأسبوع مسرحية “جاكراندا” بقاعة الفن الرابع
الصحافة اليوم، كمال الشيحاوي
يستعيد جمهور المسرح التونسي يومي 12 و13 جوان الجاري واحداً من أبرز عروض الموسم المسرحي الأخير، وذلك من خلال إعادة تقديم مسرحية اجاكرانداب للكاتب والدراماتورج عبد الحليم المسعودي والمخرج نزار السعيدي، وهي التجربة التي أثارت منذ عرضها الأول اهتمام النقاد والمتابعين لما حملته من أسئلة جمالية وفكرية عميقة حول المجتمع التونسي وتحوّلاته خلال السنوات الأخيرة.
حكاية عائلة… وحكاية وطن
تدور أحداث المسرحية داخل مركز للاتصالات تملكه عائلة نافذة، وذلك إثر الوفاة الغامضة لصاحبه االنصراويب وما يرافقها من صراعات على السلطة والنفوذ بين أفراد العائلة والعاملين بالمركز. غير أن الحكاية العائلية ليست سوى مدخل إلى حكاية أوسع، وهي حكاية تونس نفسها خلال مرحلة اتسمت بالاضطراب القيمي والاجتماعي والسياسي.
ومن خلال شخصيات مثل اهارونب واجويدةب واالكالعيب واألفةب واعفافب تنجح المسرحية في رسم فسيفساء بشرية تعكس هشاشة الأفراد وهم يواجهون العزلة والخوف وانهيار المعاني الكبرى. فالجميع يبدو محاصراً بماضيه، وعاجزاً عن العثور على أفق جديد للخلاص.
لقد بدا العرض، كما أشرنا إلى ذلك سابقاً، أشبه بـاتراجيديا يومية لكائنات لا تحتمل عزلتهاب، حيث يتقاطع الخاص والعام، والعائلي بالسياسي، لتتحول الخشبة إلى فضاء يكشف الأعطاب العميقة التي أصابت الوعي الجماعي التونسي خلال العقد الأخير.
جاكراندا… استعارة للهشاشة الإنسانية
لم يكن اختيار عنوان اجاكرانداب اعتباطياً. فشجرة الجاكراندا المعروفة بأزهارها البنفسجية الجميلة والهشة، رغم صلابة جذعها وأغصانها، تتحول داخل العرض إلى استعارة مكثفة لشخصيات تبدو قوية من الخارج بينما تخفي في أعماقها جراحاً وانكسارات وعزلة روحية قاسية.
وتتجلى هذه الرؤية أيضاً في اختيار مركز النداء فضاءً للأحداث. فالمكان الذي يفترض أن يكون رمزاً للتواصل يتحول إلى فضاء للعجز عن التواصل الحقيقي، وإلى صورة مكبرة لمجتمع يزداد فيه الضجيج بينما تتعمق فيه الوحدة الإنسانية.
رؤية إخراجية تراهن على جوهر المسرح
اختار نزار السعيدي بناء عالم العرض انطلاقاً من فراغ ركحي شبه كامل، مع اعتماد سينوغرافيا مقتصدة ومناخ بصري قاتم، الأمر الذي منح الممثلين مساحة واسعة لحمل الخطاب الدرامي والتعبير عن التحولات النفسية العنيفة التي تعيشها الشخصيات.
وقد راهنت الرؤية الإخراجية على الجسد والصوت والحضور الإنساني المباشر، في انسجام واضح مع التصور الفكري الذي يجمع السعيدي والمسعودي، والقائم على اعتبار الممثل جوهر العملية المسرحية وحامل معناها الأساسي.
حضور لافت وتتويجات مستحقة
منذ تقديمها الأول ضمن إنتاجات المسرح الوطني الشاب لسنة 2025، حظيت اجاكرانداب باهتمام نقدي واسع، واعتبرها عدد من المتابعين من أبرز الأعمال المسرحية التونسية الجديدة التي واصلت تقليد تشريح الواقع الاجتماعي والنفسي التونسي بلغة فنية عالية وحس تراجيدي واضح.
كما شاركت المسرحية في عدد من التظاهرات المسرحية الوطنية والعربية، وحصدت إشادات نقدية وجوائز هامة في أيام قرطاج المسرحية وفي مهرجانات عربية أخرى بفضل جودة نصها وأداء ممثليها ورؤيتها الإخراجية المتماسكة، وهو ما جعلها من الأعمال التي واصلت حياتها بعد العرض الأول ونجحت في استقطاب جمهور جديد في كل محطة تعرض فيها.
ومع عودتها إلى الركح خلال شهر جوان الجاري، تبدو اجاكرانداب فرصة متجددة لاكتشاف عمل مسرحي لا يكتفي بسرد حكاية عائلة متصدعة، بل يطرح سؤالاً وجودياً عميقاً حول جيل كامل وجد نفسه وسط ركام الأحلام المؤجلة والأوهام المنهارة، باحثاً عن معنى جديد للحياة وعن إمكانية البدء من جديد.
مهرجان روتردام في دورة جديدة: سوريا في قلب البرمجة والمخرجة التونسية”إيمان بن حسين”في لجنة التحكيم
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي من 10 إلى 14 جوان 2026، تتحوّل مدينة رو…

