2026-05-03

تونس وليبيا والجزائر تعتمد آلية تشاور دائمة لإدارة المياه الجوفية المشتركة: تنسيق إقليمي واعد في انتظار التفعيل

اتّفقت تونس وليبيا والجزائر على الانطلاق الفعلي لعمل هيئة تشاور مشتركة حول المياه الجوفية بالصحراء الشمالية، في خطوة تعكس توجّهًا نحو إرساء حوكمة إقليمية أكثر تنسيقًا لهذا المورد الحيوي، خاصة في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بندرة المياه والتغيرات المناخية.

وجاء هذا القرار خلال اجتماع وزاري ثلاثي احتضنته العاصمة الليبية طرابلس، جمع وزير الفلاحة والموارد المائية عز الدين بالشيخ، ووزير الموارد المائية الليبي الحسني عويدان، إلى جانب ممثل عن الجزائر. وقد تُوّجت أشغال هذا اللقاء بالتوقيع على القانون الأساسي المنظم لآلية التشاور، واعتماد البيان الختامي تحت مسمى «بيان طرابلس»، الذي أكد التزام الدول الثلاث بتعزيز التعاون الفني والعلمي، وتبادل البيانات والخبرات، والعمل على تطوير سياسات مندمجة تضمن الاستغلال الرشيد والمستدام للموائد المائية الجوفية المشتركة.

كما أسفرت المداولات عن اعتماد النظام الداخلي للهيئة، والمصادقة على مساهماتها المالية، مع إسناد رئاستها الدورية الحالية إلى الجزائر، بما يعكس إرادة مشتركة لتفعيل هذه الآلية بشكل عملي ومستمر، بعد سنوات من التنسيق المحدود.

ويمتد هذا المسار الإقليمي منذ قمة تونس في أفريل 2024، التي جمعت قادة تونس وليبيا والجزائر، وتم خلالها الاتفاق على تسريع التعاون في إدارة الموارد المشتركة، خاصة المياه الجوفية بالصحراء الشمالية، وهو ما تُوّج لاحقًا بمصادقة تونس في جانفي 2025 على اتفاق إحداث هذه الآلية.

وتكتسي هذه المبادرة أهمية استراتيجية باعتبار أن المياه الجوفية تمثل موردًا أساسيًا في المناطق الصحراوية لتأمين حاجيات الفلاحة والسكان، في ظل محدودية الموارد السطحية وتزايد الضغط المائي، ما يجعل التنسيق الإقليمي ضروريًا لتفادي الاستنزاف وضمان الاستدامة.

وتغطي هذه الموائد المائية المشتركة مساحة تتجاوز مليون كيلومتر مربع بين الدول الثلاث، يقع أغلبها في الجزائر، وهو ما يعكس حجم الرهانات المرتبطة بإدارتها بشكل جماعي.

وحول أهمية هذه الاتفاقية، اعتبر عضو لجنة الفلاحة والأمن الغذائي والمائي والصيد البحري الطاهر بن منصور في تصريح لـ«الصحافة اليوم»، أن نجاح هيئة التشاور حول المياه الجوفية يبقى رهين ترجمتها إلى برامج ومشاريع ملموسة، مؤكّدًا أن الاتفاقيات في حدّ ذاتها لا تكون ذات جدوى إذا لم تُرفق بخطط تنفيذية واضحة. وأوضح أن القيمة الحقيقية لهذه الآلية تقاس بمدى قدرتها على إحداث استثمارات ذات مردودية اقتصادية واجتماعية، بما يساهم في تحقيق السيادة المائية.

وبيّن أن الهدف من هذه الاتفاقية يتمثل أساسًا في ضمان ديمومة الموارد المائية لفائدة الأجيال الحالية والقادمة، عبر توزيع عادل بين الدول الثلاث، وهو ما يستوجب إطلاق مشاريع استراتيجية تحدّ من هدر المياه. كما لفت إلى خطورة الاستغلال العشوائي، مشيرًا إلى وجود ما بين 60 و70 ألف بئر عشوائي في تونس، وهو ما يفاقم استنزاف الموارد. ودعا في هذا السياق إلى اعتماد رؤية شاملة تربط بين إدارة المياه وتحقيق الأمن الغذائي.

وأشار إلى تفاوت أهمية المائدة المائية المشتركة بين الدول، حيث لا تتجاوز نسبتها 10% في تونس، مقابل 30% في ليبيا و60% في الجزائر، مبرزًا في المقابل أن تونس تمتلك حوض غدامس، أحد أكبر الخزانات الجوفية في العالم، ما يفتح آفاقًا مهمة للاستغلال إذا ما توفرت رؤية واضحة.

وفي ما يتعلق بالتحديات، شدّد الطاهر بن منصور على أن العامل السياسي يظل من أبرز العوائق، معتبرًا أن استقرار الأوضاع في ليبيا ودول الجوار يعدّ شرطًا أساسيًا لإنجاح هذا النوع من التعاون. كما أشار إلى وجود تحديات قانونية تتعلق بضمان التزام الدول ببنود الاتفاق، داعيًا إلى توفير آليات واضحة في هذا الإطار. وأكد في الآن ذاته أن الإشكال المائي يقتضي مقاربة شاملة تشمل مختلف الموارد، سواء الجوفية أو السطحية.

أما على مستوى الاستفادة الاقتصادية والفلاحية، فقد أقرّ بغياب استراتيجية واضحة في تونس لاستثمار هذه الإمكانيات، مبرزًا أن بعض المشاريع، على غرار إحداث مناطق واحية في «برج الخضراء»، ما تزال غير محددة المعالم. واعتبر أن التحديات الراهنة، خاصة في ظل التوترات الإقليمية، تفرض التوجه نحو تحقيق السيادة الغذائية عبر التحكم في الموارد المائية وتبني تقنيات حديثة في الري، مشددًا على أن تونس ما تزال تواجه خطر الشح المائي، ما يستوجب إطلاق برامج عملية وشاملة لاستغلال المياه الجوفية بشكل عقلاني.

وأبرز النائب الطاهر بن منصور ان هذا الاتفاق يعدّ خطوة أولى نحو بناء مقاربة جماعية لإدارة الموارد الطبيعية المشتركة في المنطقة، من الضروري ان تقوم وفق تقديره، على تقاسم المعطيات وتوحيد الرؤى، بما يعزز قدرة الدول الثلاث على مواجهة التحديات البيئية والاقتصادية، ويؤسس لمرحلة جديدة من التكامل الإقليمي في إدارة الموارد الحيوية.

‫شاهد أيضًا‬

النّواب يتفاعلون مع قرار الزيادة في الأجور في القطاعين العام والخاص: مكاسب محترمة… ودعوات للتّصدي لموجة إرتفاع الأسعار

صدرت بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية  أول  أمس الأوامر الترتيبية المتعلقة  بالزيادات في …