2026-04-14

تفقّد معمّق للـمنشآت الفنية: تحوّل إستراتيجي يعيد للدولة دورها الرقابي

أفادت رئاسة الحكومة بأن وزارة التجهيز والإسكان تعتمد برنامجا دوريا للتفقد الفني للمنشآت الفنية وخاصة الجسور وكانت الوزارة قد أرست منذ سنة 2016 مقاربة منهجية للتفقدات المعمقة مكّنتها حتى الفترة الحالية من إنجاز تفقد معمق لقرابة 850 منشأة من جملة حوالي 3800 منتشرة عبر مختلف جهات الجمهورية وذلك بهدف برمجة أشغال الصيانة أو التدعيم أو إعادة التأهيل ضمن الاعتمادات السنوية المرصودة.

وهو ما يعكس تحولاً مهمّا في التعاطي مع البنية التحتية التي تعاني اهتراءً ملحوظا طال الطرقات والجسور والمنشآت الفنية الأخرى فالطرق الوطنية والجهوية وما تحتويه من جسور تمثل شرايين الحياة الاقتصادية والاجتماعية شهدت في السنوات الأخيرة تصدعات وانهيارات جزئية خاصة خلال مواسم الأمطار الغزيرة أما الجسور فتبقى الأكثر عرضة للمخاطر نظرا للأحمال الثقيلة التي تتحملها يومياً من الشاحنات الخفيفة والثقيلة على حد سواء والحافلات والسيارات وغيرها، دون أن نغفل عن ذكر أن من بين أسباب التآكل ما يعود إلى ظاهرة التقادم الطبيعي، بالإضافة طبعا إلى عدة عوامل متراكمة أخرى.

فما هو طبيعي يعود إلى أن جلّ المنشآت المنجزة في أواخر الثمانينيات،لم تعد تستجيب لمقتضيات المرحلة التي نعيشها اليوم فلقد أنجزت تلك المشاريع المتعلقة بالبنية التحتية بمعايير صالحة في زمنها ووقتها،أما الآن فلم تعد تلك المواصفات الفنية تتناسب مع الزيادة الكبيرة في كثافة المرور وأوزان العربات الحديثة كما ساهمت العوامل المناخية المتمثلة خاصة في الأمطار الغزيرة والفيضانات المتكررة والرطوبة العالية في المناطق الساحلية، كل هذه العوامل مجتمعة، ساهمت في تسريع عملية التآكل مما استوجب من الدولة أن تتدخل للقيام بالإصلاحات اللازمة من تفقد وصيانة وترميم وغيرها من الأشغال، وهي الأدوار المحمولة على عاتقها ولكن غالبا ما تصطدم باللامبالاة حينا والتأخير حينا آخر وبالعجزمرات أخرى وكان نقص الاعتمادات المالية المخصصة للصيانة الدورية في فترات سابقة أحد أهم عناوين غياب التعهد والإصلاح وسبب حدوث عديد الكوارث التي عاشتها البلاد هذا طبعا إلى جانب البيروقراطية التي أخّرت بعض المشاريع إضافة إلى أسباب أخرى متراكمة منها حالة الإهمال والفوضى التي كانت سائدة في العقدين السابقين.

في المقابل، أكدت رئاسة الحكومة أن جميع المشاريع الجديدة تخضع لمواصفات فنية دقيقة ومراقبة مستمرة أثناء التنفيذ والاستلام، بينما تسجل المنشآت القديمة تقادما طبيعيا يستوجب تدخلات منتظمة. والهدف الأساسي ضمان سلامة مستعملي الطريق وحماية المنشآت العمومية.

من جهة أخرى، يمثل هذا البرنامج تحولاً استراتيجياً في عمل أجهزة الدولة، إذ يُلاحظ انتقالها من ردّ الفعل إلى الوقاية، فيعود بذلك للدولة دورها الرقابي الأساسي وهي مقاربة تعكس إرادة سياسية واضحة في رعاية المصلحة العامة، حيث يُعدّ الحفاظ على البنية التحتية التزاما اقتصاديا واجتماعيا يضمن استمرارية التنمية كما يضمن حماية حياة المواطنين.

ويذكر أن الوزارة كانت قد شرعت منذ شهر ماي 2024 في تنفيذ مشروع تعاوني مع الوكالة اليابانية للتعاون الدولي يمتد ثلاث سنوات ويهدف هذا المشروع إلى تحسين خطة إدارة صيانة الجسور، وإعداد دليل مرجعي لتفقدها، ووضع دليل فني لأشغال الإصلاح والصيانة، إضافة إلى تطوير منظومة معلوماتية متطورة للتصرف في الجسور وهو ما يدفع إلى القول بأن هذه المنظومة المتكاملة ستتيح متابعة دقيقة لحالة كل منشأة وتحديد الأولويات بصفة موضوعية وفورية مما سيعزز كفاءتها وسيدعم مقاربة الصيانة الوقائية وتشكل كل هذه الجهود بداية مرحلة جديدة حيث تعيد فيها الدولة النظر في مسؤوليتها تجاه كل المنشآت العمومية وهو ما يجعل استعادة الدور الرقابي ليست إجراءً فنياً فحسب، بل خطوة على الطريق الصحيح تعبّر عن التزام حقيقي بمصلحة الوطن والمواطنين على حد سواء.

ومع ذلك، يظل التحدي قائما في توفير التمويل الكافي وتسريع وتيرة الإصلاحات لمواكبة الاحتياجات المتزايدة.

‫شاهد أيضًا‬

اليوم تونس تحتفل بعيد الشهداء (9 أفريل 1938) المجد للشهداء والعزّة لتونس..

في التاسع من أفريل من كل عام، تُحيي تونس ذكرى عيد الشهداء لا كذكرى تاريخية فحسب، بل كالتزا…