2026-05-26

زغوان تتزين بعطر النسري أربعون سنة من الاحتفاء بمدينة الماء والذاكرة والجمال

الصحافة‭ ‬اليوم‭ ” ‬ريـم‭ ‬قيدوز‭ ‬

تعيش‭ ‬مدينة‭ ‬زغوان‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬الاستعدادات‭ ‬للدورة‭ ‬الأربعين‭ ‬من‭ “‬مهرجان‭ ‬النسري‭” ‬وهي‭ ‬تظاهرة‭ ‬ثقافية‭ ‬وسياحية‭ ‬تعتبر‭  ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬المواعيد‭ ‬السنوية‭ ‬بالجهة‭ ‬حيث‭ ‬تمتزج‭ ‬الموسيقى‭ ‬بالفنون‭ ‬والتراث‭ ‬وتعود‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬موسم‭ ‬لتفوح‭ ‬بعطر‭ ‬النسري‭ ‬الذي‭ ‬ارتبط‭ ‬بتاريخها‭ ‬وذاكرتها‭ ‬الجماعية‭.‬

ولا‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ “‬مهرجان‭ ‬النسري‭” ‬باعتباره‭ ‬مجرد‭ ‬تظاهرة‭ ‬فنية‭ ‬أو‭ ‬برنامجاً‭ ‬تنشيطياً‭ ‬عابراً،‭ ‬بل‭ ‬يمثل‭ ‬احتفاءً‭ ‬بهوية‭ ‬مدينة‭ ‬تونسية‭ ‬عريقة‭ ‬استطاعت‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬خصوصيتها‭ ‬الثقافية‭ ‬والحضارية‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭ ‬وهي‭  ‬الواقعة‭ ‬بين‭ ‬الجبال‭ ‬والخضرة،‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬التونسية‭ ‬ذات‭ ‬الرمزية‭ ‬التاريخية‭ ‬الكبيرة‭ ‬لما‭ ‬تختزنه‭ ‬من‭ ‬معالم‭ ‬رومانية‭ ‬وأندلسية‭ ‬وطبيعة‭ ‬ساحرة‭ ‬جعلت‭ ‬منها‭ ‬وجهة‭ ‬سياحية‭ ‬وثقافية‭ ‬بامتياز‭.‬

وتشتهر‭ ‬المدينة‭ ‬أساسا‭ ‬بمعبد‭ ‬المياه‭ ‬الروماني‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المعالم‭ ‬الأثرية‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ارتباطها‭ ‬التاريخي‭ ‬بمنابع‭ ‬المياه‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تزود‭ ‬مدينة‭ ‬قرطاج‭ ‬بالماء‭ ‬عبر‭ ‬القنوات‭ ‬الرومانية‭ ‬القديمة،‭ ‬كما‭ ‬تتميز‭ ‬زغوان‭ ‬بطابعها‭ ‬المعماري‭ ‬التقليدي‭ ‬وأزقتها‭ ‬الهادئة‭ ‬وحدائقها‭ ‬التي‭ ‬تتزين‭ ‬بأشجار‭ ‬النسري‭ ‬والياسمين‭ ‬و‭”‬كعك‭ ‬الورقة‭”  ‬في‭ ‬صورة‭ ‬تعكس‭ ‬روح‭ ‬المدينة‭ ‬الهادئة‭ ‬وعلاقتها‭ ‬الوثيقة‭ ‬بالطبيعة‭.‬

وقد‭ ‬أصبح‭ “‬النسري‭” ‬تلك‭ ‬الزهرة‭ ‬البيضاء‭ ‬ذات‭ ‬الرائحة‭ ‬الزكية،‭ ‬رمزا‭ ‬من‭ ‬رموز‭ ‬زغوان‭ ‬ويحرص‭ ‬سكان‭ ‬مدينة‭ ‬زغوان‭ ‬سنويا‭ ‬على‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بهذه‭ ‬الزهرة‭ ‬التي‭ ‬تستعمل‭ ‬في‭ ‬التقطير‭ ‬وصناعة‭ ‬ماء‭ ‬النسري‭ ‬والعطور‭ ‬التقليدية‭ ‬لتتحول‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬المحلي‭ ‬ومن‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للجهة‭ .‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬تأتي‭ ‬الدورة‭ ‬الأربعين‭ ‬من‭ ‬مهرجان‭ ‬النسري‭ ‬التي‭ ‬تنتظم‭ ‬من‭ ‬29‭ ‬ماي‭ ‬وتتواصل‭ ‬الى‭ ‬غاية‭ ‬يوم‭ ‬7‭ ‬جوان‭ ‬2026‭ ‬لتؤكد‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬التقليد‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬البعد‭ ‬الفني‭ ‬والاحتفاء‭ ‬بالذاكرة‭ ‬المحلية‭.‬

‭ ‬و‭ ‬كشفت‭ ‬الندوة‭ ‬الصحفية‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬عقدتها‭ ‬الهيئة‭ ‬المديرة‭ ‬الجديدة‭ ‬للمهرجان‭ ‬برئاسة‭ ‬السيد‭ ‬حمدة‭ ‬غلاب‭( ‬رئيس‭ ‬جمعية‭ ‬مهرجان‭ ‬النسري‭ )‬والتي‭ ‬التأمت‭ ‬يوم‭ ‬السبت‭ ‬23‭ ‬ماي‭ ‬بمعبد‭ ‬المياه‭ ‬بزغوان‭ ‬بحضور‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الاعلام‭ ‬التونسية‭  ‬عن‭ ‬برنامج‭ ‬متنوع‭ ‬يحمل‭ ‬شعار‭ ” ‬من‭ ‬التراث‭ ‬الى‭ ‬الإبداع‭: ‬إرث‭ ‬وحضارة‭” ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬الحياة‭ ‬للفضاءات‭ ‬العامة‭ ‬بالمدينة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عروض‭ ‬موسيقية‭ ‬وأنشطة‭ ‬تراثية‭ ‬وعلمية‭ ‬وتنشيطية‭ ‬تستهدف‭ ‬مختلف‭ ‬الفئات‭ ‬العمرية‭.‬

وتنطلق‭ ‬فعاليات‭ ‬المهرجان‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬29‭ ‬ماي‭ ‬بالافتتاح‭ ‬الرسمي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬عروض‭ ‬تنشيطية‭ ‬تجوب‭ ‬شوارع‭ ‬المدينة‭ ‬ونشاط‭ “‬نسر‭ ‬ونسرية‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ “‬زراعة‭ ‬النسري‭” “.‬

أما‭ ‬يوم‭ ‬السبت‭ ‬30‭ ‬ماي،‭ ‬فسيكون‭ ‬جمهور‭ ‬المهرجان‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬مع‭ ‬عرض‭ ” ‬الفلاقة‭ ” ‬للفنان‭ ‬نصر‭ ‬الدين‭ ‬الشلبي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يتواصل‭ ‬البرنامج‭ ‬يوم‭ ‬الأحد‭ ‬31‭ ‬ماي‭ ‬بتنظيم‭ “‬يوم‭ ‬الثقافة‭ ‬الغذائية‭” ‬بالمدينة‭ ‬العتيقة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬عروض‭ ‬ترفيهية‭ ‬وأنشطة‭ ‬تحسيسية‭ ‬حول‭ ‬السلامة‭ ‬المرورية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬عرض‭ “‬خيال‭ ‬جميل‭” ‬للفنان‭ ‬محمد‭ ‬الأخوص‭.‬

ويتواصل‭ ‬المهرجان‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء‭ ‬2‭ ‬جوان‭ ‬مع‭ ‬أمسية‭ “‬حنين‭ ‬زغوان‭” ‬وهي‭ ‬سهرة‭ ‬تستعيد‭ ‬الذاكرة‭ ‬الفنية‭ ‬والشعبية‭ ‬للمدينة‭ ‬في‭ ‬حين‭   ‬يخصص‭ ‬يوم‭ ‬الأربعاء‭ ‬3‭ ‬جوان‭ ‬لتنظيم‭ ‬يوم‭ ‬علمي‭ ‬يهتم‭ ‬بالموروث‭ ‬الثقافي‭ ‬والتراثي‭ ‬للجهة،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لتسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬المحلية‭ ‬وتثمينها‭.‬

كما‭ ‬سيكون‭ ‬جمهور‭ ‬مهرجان‭ ‬النسري‭ ‬بزغوان‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬5‭ ‬جوان‭ ‬مع‭ ‬العرض‭ ‬الموسيقي‭ “‬هيا‭ ‬نغني‭” ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تختتم‭ ‬فعاليات‭ ‬الدورة‭ ‬40‭  ‬يوم‭ ‬الأحد‭ ‬7‭ ‬جوان‭ ‬بعرض‭ “‬سينوج‭”‬،‭ ‬في‭ ‬سهرة‭ ‬ينتظر‭ ‬أن‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الموسيقى‭ ‬والفرجة‭ ‬والاحتفاء‭ ‬بأربعين‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬استمرارية‭ ‬المهرجان‭ ‬بمعبد‭ ‬المياه‭ ‬بزغوان‭.‬

وأشار‭ ‬حمدة‭ ‬غلاب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬الصحفي‭ ‬إلى‭ ‬مهرجان‭ ‬النسري‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬برمجته‭ ‬المتنوعة‭ ‬رغم‭ ‬قلة‭ ‬الإمكانيات‭ ‬وضعف‭ ‬ميزانيته‭ ‬بأن‭ ‬الثقافة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬وسيلة‭ ‬لإحياء‭ ‬المدن‭ ‬وإعادة‭ ‬اكتشاف‭ ‬خصوصيتها‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬مثل‭ ‬زغوان‭ ‬التي‭ ‬مازالت‭ ‬تحتفظ‭ ‬بروحها‭ ‬الأندلسية‭ ‬وهدوئها‭ ‬وجمال‭ ‬طبيعتها‭ ‬لأن‭ ‬المهرجان‭ ‬لا‭ ‬يروج‭ ‬فقط‭ ‬للعروض‭ ‬الفنية‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬أيضا‭ ‬التذكير‭ ‬بصورة‭ ‬مدينة‭ ‬عرفت‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬بالماء‭ ‬والحدائق‭ ‬والعطور‭ ‬وظلت‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬سحرها‭ ‬وخصوصياتها‭ ‬رغم‭ ‬تغير‭ ‬الأزمنة‭.‬

وفي‭ ‬دورته‭ ‬الأربعين،‭ ‬يبدو‭ ‬مهرجان‭ ‬النسري‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬احتفال‭ ‬سنوي،‭ ‬بل‭ ‬مناسبة‭ ‬لتجديد‭ ‬الوفاء‭ ‬لذاكرة‭ ‬مدينة‭ ‬كاملة،‭ ‬مازالت‭ ‬تفوح‭ ‬بعطر‭ ‬النسري‭ ‬وتفتح‭ ‬أبوابها‭ ‬للفن‭ ‬والحياة‭ ‬والجمال‭ .‬

‫شاهد أيضًا‬

في‭ ‬اختتام‭ ‬الدورة‭ ‬79‭ ‬لمهرجان‭ ‬كان‭ ‬السينمائي‭ :‬ جوائز‭ ‬تثير‭ ‬الانقسام‭..‬وتصريحات‭ ‬بارك‭ ‬تشان‭ ‬ووك‭ ‬تشعل‭ ‬الجدل

اختتمت‭ ‬فعاليات‭ ‬الدورة‭ ‬79‭ ‬لمهرجان‭ ‬كان‭ ‬السينمائي‭ ‬مساء‭ ‬السبت‭ ‬23‭ ‬ماي‭ ‬وسط…