أعلن المعهد الوطني للإحصاء بتونس، الأحد ، تسجيل عجز تجاري بـ1.78 مليار دولار في الثلاثي الأول من العام الجاري، مقارنة بـ1.71 مليار دولار في المدة المماثلة من العام الماضي.

وأكدت بيانات المعهد ارتفاع الصادرات التونسية إلى كل من مصر بنسبة (+52,9%) والمملكة العربية السعودية (+80,6%). في المقابل، انخفضت الصادرات إلى المغرب (-39,5%) والجزائر وليبيا بنفس المعدل (-22,2%). هذه الأرقام تبيّن بوضوح أن تونس بدأت تغير وجهة صادراتها. فحين ترتفع الصادرات بقوة نحو أسواق بعيدة نسبيًا، وتتراجع في الوقت نفسه نحو دول قريبة فإن الأمر يعكس تحوّلًا واضحًا في اتجاه التجارة التونسية، ويطرح سؤالًا بسيطًا لكنه مهم: لماذا تنجح تونس في التصدير أكثر إلى أسواق بعيدة نسبيا بينما تتراجع في أسواق قريبة جغرافيًا؟ وهل يعني ذلك أن التقارب الجغرافي لم يعد له فائدة؟

في عالم الاقتصاد، ما يحدث اليوم لا يلغي أهمية الجغرافيا، لكنه يكشف أن عوامل أخرى أصبحت أكثر تأثيرًا. فالسوق لم تعد تُقاس فقط بالمسافة، بل بقدرتها على الاستيعاب وسهولة التعامل.

في حالة مصر، يفسَّر الارتفاع الكبير في الصادرات بحجم السوق التي تتجاوز 100 مليون مستهلك، وهو ما يخلق طلبًا واسعًا ومتواصلًا على المنتجات، خاصة الغذائية منها. كما أن وجود توجه رسمي لرفع المبادلات من حوالي 500 مليون دولار إلى مليار دولار خلال عامين، كما أعلن مصطفى مدبولي، يعطي إشارات طمأنة للمؤسسات ويشجعها على التوسع.

أما في السعودية، فإن نمو الصادرات بنسبة تفوق 80% يرتبط بعاملين رئيسيين: القدرة الشرائية المرتفعة، وتنوع الطلب. فالسوق السعودية لا تقتصر على نوع واحد من المنتجات، بل تستوعب مواد غذائية وصناعية وتجهيزات مختلفة. ورغم أن المبادلات الحالية ما تزال محدودة نسبيًا، حيث بلغت واردات السعودية من تونس حوالي 26.9 مليون دينار في نوفمبر 2025، فإن هذه الأرقام تبقى قابلة للارتفاع نظرًا لحجم الاقتصاد السعودي.

في المقابل، يطرح تراجع الصادرات نحو المغرب العربي مفارقة حقيقية : المسافة الجغرافية قصيرة والثقافة متقاربة لكن المبادلات التجارية لا تعكس هذا القرب. فالصادرات إلى المغرب، رغم بلوغها حوالي 973 مليون دينار في 2025، شهدت تراجعًا كبيرًا بنسبة تقارب 40%. كما تراجعت الصادرات إلى الجزائر وليبيا بأكثر من 20%. مما يعني أن القرب الجغرافي وحده لا يكفي لخلق تجارة نشطة.

ووفق المتابعين للشأن الوطني، يعود هذا التراجع أساسًا إلى صعوبات عملية تواجه المصدرين. فالإجراءات الحدودية قد تكون بطيئة، والنقل البري ليس دائمًا سهلًا أو منظمًا، إضافة إلى اختلاف القوانين والأنظمة بين بلد وآخر. وكل هذه العوامل مجتمعة تجعل التصدير من تونس إلى الدول المجاورة أحيانًا أكثر تعقيدًا من التصدير إلى دول أبعد لكنها توفر مسارات أوضح وأكثر استقرارًا.

كما أن طبيعة الأسواق تلعب دورًا مهمًا. فاقتصادات دول المغرب العربي متشابهة إلى حد كبير، وهو ما يقلل من فرص التكامل بينها، إذ تنتج في كثير من الأحيان نفس السلع. في المقابل، توفر أسواق مثل مصر والسعودية طلبًا مختلفًا وأكثر تنوعًا، ما يسمح للمنتجات التونسية بإيجاد مكان لها بسهولة أكبر.

من جهة أخرى نوعية الصادرات نفسها تغيرت. فالتوجه نحو مصر والسعودية يشمل منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، مثل الصناعات الغذائية وبعض المنتجات المصنعة، وهي أقل تأثرًا بتقلبات الأسعار. فالسعودية مثلا استوردت إلى حدود نوفمبر 2025 منتجات بقيمة 26.9 مليون تمثلت اساسا في شحوم ودهون وزيوت حيوانية أو نباتية، شموع من أصل حيواني أو نباتي ومراجل وآلات وأجهزة وأدوات آلية. أما في دول الجوار، فما تزال الصادرات تتركز على مواد تقليدية مثل زيت الزيتون والتمور، وهي منتجات تواجه منافسة قوية ويمكن أن تتراجع بسرعة.

في ضوء كل ذلك، يمكن القول إن التقارب الجغرافي لم يفقد أهميته تماما بالنسبة للمعاملات التجارية لتونس من تصدير وتوريد ، لكنه لم يعد العامل الحاسم كما كان في السابق. فاليوم، الأهم هو سهولة النفاذ إلى السوق، واستقرار حجم الطلب فيها. وفي حال توفرت هذه الشروط في سوق بعيدة، فقد تكون هذه الأخيرة أكثر جاذبية لتونس من سوق قريبة تعاني من صعوبات.

وعموما ورغم التراجع المسجّل في بعض المؤشرات، تبقى العلاقات التجارية بين تونس ودول المغرب العربي علاقات قوية وذات أساس متين، لأنها تقوم على روابط تاريخية متينة . ورغم ما تواجهه من صعوبات أو تباطؤ في نسق التبادل، فإن هذه السوق لا تزال تحمل إمكانيات كبيرة لم تُستغل بالشكل الكافي. بالتالي فإن الوضع يتطلب فقط تحسين ظروف التبادل التجاري، تسهيل حركة السلع عبر الحدود وتطوير البنية اللوجستية. كما أن تنسيق السياسات الاقتصادية بين  تونس ودول الجوار من شأنه أن يخلق سوقًا أكثر استقرارًا وتكاملًا، وهو ما يعود بالنفع على الجميع، وليس على تونس فقط.

ختاما، لا يمكن اعتبار تراجع الصادرات في بعض الفترات دليل تراجع في العلاقات التجارية، لانه مع توفر الإرادة السياسية والاقتصادية، يمكن أن تستعيد أسواق المغرب العربي دورها الطبيعي وتصبح من أكثر الأسواق ربحية واستقرارا بالنسبة لتونس في المستقبل.

‫شاهد أيضًا‬

تقرير «جاهزية الأعمال 2025»: تونس تحتل المرتبة الخامسة من أصل عشر دول إفريقية شملها التصنيف

جاءت تونس في تقرير «جاهزية الأعمال 2025» الصادر عن البنك الدولي في المرتبة الخامسة من أصل …