2026-05-18

حوالي‭ ‬43‭ % ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصغرى‭  ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬صعوبة‭ ‬التمويل‭:‬ ‭ ‬هل‭ ‬تنجح‭ ‬خارطة‭ ‬الطريق‭ ‬البنكية‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬الإنقاذ؟‭

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬خالصة‭ ‬حمروني

أعاد‭ ‬إعلان‭ ‬محافظ‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬التونسي‭ ‬عن‭ ‬إحداث‭ ‬مجموعة‭ ‬عمل‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬المجلس‭ ‬البنكي‭ ‬والمالي‭ ‬لإعداد‭ ‬خارطة‭ ‬طريق‭ ‬جديدة‭ ‬لدعم‭ ‬تمويل‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬ملف‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصغرى‭ ‬والمتوسطة‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬النقاش‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬الحيوي‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭. ‬وتأتي‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تواجه‭ ‬فيه‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصغرى‭ ‬والمتوسطة‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬ضغوطا‭ ‬مالية‭ ‬متزايدة،‭ ‬حيث‭ ‬تشير‭ ‬المعطيات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حوالي‭ ‬43‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬صعوبات‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬البنكي،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬يمثل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬90‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬النسيج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الوطني‭ ‬ويوفر‭ ‬نسبة‭ ‬هامة‭ ‬من‭ ‬مواطن‭ ‬الشغل‭.‬

ورغم‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التونسي‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬قرابة‭ ‬870‭ ‬ألف‭ ‬مؤسسة‭ ‬صغرى‭ ‬ومتوسطة،‭ ‬الا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النسيج‭ ‬يشهد‭ ‬نسبة‭ ‬غلق‭ ‬مرتفعة‭ ‬تقارب‭ ‬39‭ ‬بالمائة‭ ‬سنويا،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬معدل‭ ‬عمر‭ ‬المؤسسة‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬18‭ ‬شهرا‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬هشاشة‭ ‬وضع‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وصعوبة‭ ‬استمرارية‭ ‬المشاريع،‭ ‬خاصة‭ ‬الناشئة‭ ‬منها‭.‬

وبالعودة‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬العمل‭ ‬المعلن‭ ‬عنها،‭ ‬فهي‭ ‬تهدف،‭ ‬وفق‭ ‬المعطيات‭ ‬المعلنة،‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬التزامات‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬البنكي‭ ‬لتعزيز‭ ‬تمويل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬وتحفيز‭ ‬الاستثمار‭. ‬وفي‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تحسين‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات‭ ‬البنكية‭ ‬وتبسيط‭ ‬الإجراءات‭ ‬وتوجيه‭ ‬التمويلات‭ ‬نحو‭ ‬القطاعات‭ ‬المنتجة‭ ‬والواعدة‭.‬

وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬اقتصادي،‭ ‬يرى‭ ‬متابعون‭ ‬للشأن‭ ‬الوطني‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬تعكس‭ ‬إدراكا‭ ‬رسميا‭ ‬بوجود‭ ‬أزمة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬البنوك‭ ‬بالمؤسسات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬تشدد‭ ‬البنوك‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬القروض‭ ‬وارتفاع‭ ‬نسب‭ ‬الفائدة‭ ‬والمطالبة‭ ‬بضمانات‭ ‬مرتفعة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬عددا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬إلى‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬الذاتي‭ ‬أو‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬مشاريع‭ ‬التوسع‭ ‬والاستثمار‭.‬

كما‭ ‬ساهم‭ ‬ارتفاع‭ ‬الديون‭ ‬غير‭ ‬المستخلصة‭ ‬داخل‭ ‬القطاع‭ ‬البنكي‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬حذر‭ ‬البنوك،‭ ‬حيث‭ ‬تتراوح‭ ‬هذه‭ ‬النسب‭ ‬بين‭ ‬14‭ ‬و26‭ ‬بالمائة‭ ‬وفق‭ ‬تقديرات‭ ‬متداولة‭. ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬المؤسسات‭ ‬البنكية‭ ‬إلى‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬تقليص‭ ‬المخاطر‭ ‬بدل‭ ‬تمويل‭ ‬المشاريع‭ ‬الجديدة‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يعتبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الخبراء‭ ‬أن‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الأزمة‭ ‬يعود‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬توجه‭ ‬البنوك‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬نحو‭ ‬تمويل‭ ‬حاجيات‭ ‬الدولة‭ ‬عبر‭ ‬الاكتتاب‭ ‬المكثف‭ ‬في‭ ‬سندات‭ ‬الخزينة‭. ‬وقد‭ ‬قلص‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬السيولة‭ ‬المتاحة‭ ‬لفائدة‭ ‬المؤسسات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬خاصة‭ ‬الصغرى‭ ‬والمتوسطة‭.‬

ولا‭ ‬ترتبط‭ ‬مشاكل‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬بالتمويل‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬أيضا‭ ‬البيروقراطية‭ ‬وتعقد‭ ‬الإجراءات‭ ‬الإدارية‭ ‬وطول‭ ‬آجال‭ ‬التراخيص،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والطاقة‭ ‬والنقل‭ ‬وضعف‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭. ‬كما‭ ‬تواجه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬صعوبات‭ ‬في‭ ‬مواكبة‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬والتكنولوجي‭ ‬بسبب‭ ‬محدودية‭ ‬الإمكانيات‭ ‬المالية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يطرح‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬خارطة‭ ‬الطريق‭ ‬الجديدة‭ ‬عدة‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬حلول‭ ‬عملية‭ ‬وفعالة،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬الإشكاليات‭ ‬المطروحة‭ ‬تتجاوز‭ ‬القطاع‭ ‬البنكي‭ ‬لتشمل‭ ‬مناخ‭ ‬الأعمال‭ ‬والسياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتشريعات‭ ‬المنظمة‭ ‬للاستثمار‭.‬

ويرى‭ ‬مختصون‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬يبقى‭ ‬مرتبطا‭ ‬بقدرة‭ ‬البنوك‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬مقاربتها‭ ‬التقليدية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الحذر‭ ‬المفرط،‭ ‬والمرور‭ ‬نحو‭ ‬دور‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬الاستثمار‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬المؤسسات‭ ‬المنتجة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬اعتماد‭ ‬آليات‭ ‬حديثة‭ ‬لتقييم‭ ‬المشاريع‭ ‬وتسهيل‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬التمويل‭.‬

كما‭ ‬يؤكد‭ ‬متابعون‭ ‬أن‭ ‬الإصلاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬يقتضي‭ ‬أيضا‭ ‬تبسيط‭ ‬الإجراءات‭ ‬الإدارية،‭ ‬وتسريع‭ ‬الرقمنة‭ ‬وتحسين‭ ‬مناخ‭ ‬الاستثمار‭. ‬كما‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬مراجعة‭ ‬بعض‭ ‬القوانين‭ ‬الاقتصادية‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تتماشى‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬الحالية‭.‬

هذا‭ ‬ويأمل‭ ‬الفاعلون‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬خارطة‭ ‬الطريق‭ ‬المرتقبة‭ ‬مجرد‭ ‬إطار‭ ‬تنظيمي‭ ‬إضافي،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬خطوة‭ ‬عملية‭ ‬تعيد‭ ‬صياغة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬القطاع‭ ‬البنكي‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الصغرى‭ ‬والمتوسطة‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬أكثر‭ ‬توازنًا‭ ‬وفعالية،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬إدماج‭ ‬هذا‭ ‬النسيج‭ ‬الحيوي‭ ‬بشكل‭ ‬أفضل‭ ‬داخل‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭. ‬فترجمة‭ ‬هذه‭ ‬التوجهات‭ ‬إلى‭ ‬إجراءات‭ ‬ملموسة،‭ ‬قد‭ ‬تعيد‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الفاعلين‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬وتحفز‭ ‬الاستثمار‭ ‬وتحسن‭ ‬مناخ‭ ‬الأعمال‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

حقق‭ ‬نسبة‭ ‬نمو‭ ‬بـ2.6%‭ ‬في‭ ‬الثلاثي‭ ‬الاول‭: ‬ مؤشرات‭ ‬تعافٍ‭ ‬مشجعة‭ ‬لاقتصاد‭ ‬يطمح‭ ‬إلى‭ ‬بلوغ‭ ‬3.3‭ % ‬موفى‭ ‬2026

الصحافة‭ ‬اليوم‭-‬خالصة‭ ‬حمروني‭:‬ سجّل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التونسي‭ ‬خلال‭ ‬الثلاثي‭ ‬الأول‭ ‬م…