حوالي 43 % من المؤسسات الصغرى تعاني من صعوبة التمويل: هل تنجح خارطة الطريق البنكية الجديدة في الإنقاذ؟
الصحافة اليوم : خالصة حمروني
أعاد إعلان محافظ البنك المركزي التونسي عن إحداث مجموعة عمل تحت إشراف المجلس البنكي والمالي لإعداد خارطة طريق جديدة لدعم تمويل الاقتصاد، ملف المؤسسات الصغرى والمتوسطة إلى واجهة النقاش الاقتصادي، خاصة في ظل الأزمة التي يعيشها هذا القطاع الحيوي منذ سنوات. وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه المؤسسات الصغرى والمتوسطة في تونس ضغوطا مالية متزايدة، حيث تشير المعطيات إلى أن حوالي 43 بالمائة من المؤسسات تعاني من صعوبات في الحصول على التمويل البنكي، رغم أن هذا القطاع يمثل أكثر من 90 بالمائة من النسيج الاقتصادي الوطني ويوفر نسبة هامة من مواطن الشغل.
ورغم أهمية هذه المؤسسات في الاقتصاد التونسي التي تضم قرابة 870 ألف مؤسسة صغرى ومتوسطة، الا أن هذا النسيج يشهد نسبة غلق مرتفعة تقارب 39 بالمائة سنويا، في حين لا يتجاوز معدل عمر المؤسسة في تونس 18 شهرا وهو ما يعكس هشاشة وضع هذه المؤسسات الاقتصادي وصعوبة استمرارية المشاريع، خاصة الناشئة منها.
وبالعودة إلى مجموعة العمل المعلن عنها، فهي تهدف، وفق المعطيات المعلنة، إلى وضع التزامات واضحة على القطاع البنكي لتعزيز تمويل الاقتصاد الوطني وتحفيز الاستثمار. وفي جانب آخر، تسعى إلى تحسين جودة الخدمات البنكية وتبسيط الإجراءات وتوجيه التمويلات نحو القطاعات المنتجة والواعدة.
وعلى مستوى اقتصادي، يرى متابعون للشأن الوطني أن هذه المبادرة تعكس إدراكا رسميا بوجود أزمة حقيقية في علاقة البنوك بالمؤسسات الاقتصادية، خاصة بعد سنوات من تشدد البنوك في منح القروض وارتفاع نسب الفائدة والمطالبة بضمانات مرتفعة. وهو ما دفع عددا كبيرا من المؤسسات إلى الاعتماد على التمويل الذاتي أو التخلي عن مشاريع التوسع والاستثمار.
كما ساهم ارتفاع الديون غير المستخلصة داخل القطاع البنكي في زيادة حذر البنوك، حيث تتراوح هذه النسب بين 14 و26 بالمائة وفق تقديرات متداولة. الأمر الذي دفع المؤسسات البنكية إلى التركيز على تقليص المخاطر بدل تمويل المشاريع الجديدة.
وفي المقابل، يعتبر عدد من الخبراء أن جزءا من الأزمة يعود أيضا إلى توجه البنوك خلال السنوات الأخيرة نحو تمويل حاجيات الدولة عبر الاكتتاب المكثف في سندات الخزينة. وقد قلص هذا التوجه من حجم السيولة المتاحة لفائدة المؤسسات الاقتصادية، خاصة الصغرى والمتوسطة.
ولا ترتبط مشاكل هذه المؤسسات بالتمويل فقط، بل تشمل أيضا البيروقراطية وتعقد الإجراءات الإدارية وطول آجال التراخيص، إضافة إلى ارتفاع كلفة الإنتاج والطاقة والنقل وضعف القدرة التنافسية. كما تواجه العديد من المؤسسات صعوبات في مواكبة التحول الرقمي والتكنولوجي بسبب محدودية الإمكانيات المالية.
وفي هذا السياق، يطرح الإعلان عن خارطة الطريق الجديدة عدة تساؤلات حول مدى قدرة هذه المجموعة على تقديم حلول عملية وفعالة، خاصة وأن الإشكاليات المطروحة تتجاوز القطاع البنكي لتشمل مناخ الأعمال والسياسات الاقتصادية والتشريعات المنظمة للاستثمار.
ويرى مختصون أن نجاح هذه المبادرة يبقى مرتبطا بقدرة البنوك على تغيير مقاربتها التقليدية القائمة على الحذر المفرط، والمرور نحو دور أكثر فاعلية في تمويل الاستثمار والمشاركة في دعم المؤسسات المنتجة، إلى جانب اعتماد آليات حديثة لتقييم المشاريع وتسهيل النفاذ إلى التمويل.
كما يؤكد متابعون أن الإصلاح الحقيقي يقتضي أيضا تبسيط الإجراءات الإدارية، وتسريع الرقمنة وتحسين مناخ الاستثمار. كما يتطلب الأمر مراجعة بعض القوانين الاقتصادية القديمة التي لم تعد تتماشى مع التحولات الحالية.
هذا ويأمل الفاعلون الاقتصاديون أن لا تبقى خارطة الطريق المرتقبة مجرد إطار تنظيمي إضافي، بل أن تتحول إلى خطوة عملية تعيد صياغة العلاقة بين القطاع البنكي والمؤسسات الصغرى والمتوسطة على أسس أكثر توازنًا وفعالية، بما يضمن إدماج هذا النسيج الحيوي بشكل أفضل داخل الدورة الاقتصادية. فترجمة هذه التوجهات إلى إجراءات ملموسة، قد تعيد الثقة بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين وتحفز الاستثمار وتحسن مناخ الأعمال ما قد يساهم في نهاية المطاف في تعزيز النمو الاقتصادي.
حقق نسبة نمو بـ2.6% في الثلاثي الاول: مؤشرات تعافٍ مشجعة لاقتصاد يطمح إلى بلوغ 3.3 % موفى 2026
الصحافة اليوم-خالصة حمروني: سجّل الاقتصاد التونسي خلال الثلاثي الأول م…

