103 أيام توريد من العملة الصعبة: مكسب اقتصادي مهم.. في حاجة إلى دعم هيكلي
الصحافة اليوم : خالصة حمروني:
اتجاوزت قيمة مخزون العملة الصعبة 25,1 مليار دينار (ما يعادل 103 أيام توريد) إلى حدود 7 ماي 2026، مقابل 22,8 مليار دينار (ما يعادل 99 يوم توريد) خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، مسجلة بذلك ارتفاع بنسبة 10 بالمائةب وفق ما اكدته المؤشرات النقدية والمالية التي نشرها، الجمعة، البنك المركزي الأمر الذي يعكس تحسنا ملحوظا في قدرة الاقتصاد التونسي على الحفاظ على مستوى مقبول من الاحتياطي، رغم استمرار الضغوط على التوازنات الخارجية.
في حقيقة الأمر، هذا التطور لم يأتِ من فراغ، بل ارتبط بعدة مصادر رئيسية للعملة الأجنبية في مقدمتها،جاء القطاع السياحي الذي عرف تحسنًا واضحًا خلال الفترة الأخيرة، حيث ارتفعت العائدات السياحية بنسبة 4 بالمائة بعد أن ارتفعت قيمتها من 1,9 مليار دينار موفى أفريل 2025 إلى 2 مليار دينار نهاية أفريل 2026.
وبالتوازي مع ذلك، ساهمت تحويلات التونسيين بالخارج بشكل واضح في دعم المخزون من النقد الأجنبي. فقد سجّلت هذه التحويلات ارتفاعًا خلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026، لتبلغ إلى غاية 30 أفريل نحو 2932 مليون دينار، مقابل 2785.8 مليون دينار خلال نفس الفترة من سنة 2025، أي بزيادة تُقدّر بـ5.25 بالمائة.
إلى جانب ذلك، ساهمت بعض التمويلات الخارجية والقروض الممنوحة من مؤسسات مالية دولية مثل البنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية والبنك الأوروبي للاستثمار في توفير هامش إضافي من العملة الأجنبية. وقد ساعدت هذه التمويلات، ولو بشكل بسيط، على تخفيف الضغط على خزينة الدولة، رغم أن جزءًا من هذا الدعم يبقى ظرفيًا ومشروطا بتنفيذ مشاريع تنموية.
وبالعودة إلى مخزون العملة الصعبة، باعتباره مؤشرا هاما يعكس مدى تحقيق توازن بين هذه المصادر وقدرتها على مجاراة الضغوط الهيكلية على خزينة الدولة، يكشف المسار الزمني أن هذا المؤشر يشهد في السنوات الأخيرة تذبذبا ملحوظا. فوفق معطيات اقتصادية، بلغ احتياطي تونس من العملة الصعبة أعلى مستويات خلال 2024، حيث وصل إلى حدود 29,23 مليار دينار في ديسمبر من السنة نفسها، قبل أن يشهد تراجعًا تدريجيًا خلال 2025 ليستقر في حدود 25,13 مليار دينار مع موفى السنة، أي بانخفاض يقارب 8,2 بالمائة. كما واصل الاحتياطي تقلبه خلال الأشهر الأولى من 2026، بين 27,87 مليار دينار في فيفري و27,10 مليار دينار في مارس، قبل أن يستقر نسبيًا عند مستواه الحالي.
وبخصوص معدله الحالي، يُعد بلوغ الاحتياطي مستوى يفوق 103 أيام توريد مؤشرًا على قدرة البلاد على تغطية وارداتها لفترة تتجاوز ثلاثة أشهر في حال اضطراب التدفقات الخارجية، وهو مستوى يُعتبر مريحًا نسبيًا مقارنة بالحدود الدنيا التي تثير عادة قلق الأسواق المالية. غير أن هذا المؤشر، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتقييم صلابة الوضع الخارجي، بل يجب قراءته إلى جانب تطور العجز التجاري وحجم الدين الخارجي وقدرة الاقتصاد على توليد العملة الصعبة ذاتيًا.
ورغم التحسن المسجل في مردودية بعض القطاعات لاسيما الداعمة لمخزون العملة الصعبة من سياحة وتحويلات أجنبية، ما تزال الضغوط الهيكلية قائمة ومن شأنها أن تحد من قيمة هذا المخزون. فالاقتصاد الوطني يعتمد بدرجة كبيرة على التوريد الذي يرتفع بنسق ملحوظ مقابل محدودية قطاع التصدير من حيث القيمة المضافة. كما أن تبعية هذا المؤشر لقطاعي السياحة أو التحويلات من شأنه أن يجعله عرضة لتقلبات اغير متوقعةب لان اي تراجع لموارد هذين القطاعين يمكن أن ينعكس سلبا وبسرعة على مستوى الاحتياطي.
كما يرتبط مستوى العملة الصعبة بشكل مباشر باستقرار الدينار، إذ يمنح البنك المركزي هامش تدخل في سوق الصرف للحد من التقلبات. غير أن هذا الهامش يظل مرتبطًا بحجم الاحتياطي وتدفقاته، ما يجعل استدامته رهينة بتوازنات الاقتصاد الخارجي.
عموما، يمنح مخزون العملة الصعبة المتوفر حاليا الاقتصاد التونسي هامشًا من الأمان في مواجهة الصدمات الخارجية، لكن هذا الهامش يظلّ انسبياب إذا لم يُدعَّم بإصلاحات هيكلية عميقة. فالحفاظ على هذا المؤشر لا يرتبط فقط بتحسن ظرفي في السياحة أو ارتفاع تحويلات التونسيين بالخارج، بل يتطلب رؤية اقتصادية قادرة على تعزيز موارد البلاد من العملة الصعبة بشكل مستدام.
وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري العمل على تقوية الصادرات ذات القيمة المضافة العالية، وتوسيع قاعدة الإنتاج الوطني بدل الاعتماد المفرط على التوريد الذي يستنزف الاحتياطي. كما يكتسي تحسين مناخ الاستثمار دورًا محوريًا في استقطاب العملة الأجنبية عبر مشاريع إنتاجية حقيقية، إلى جانب دعم القطاعات المولّدة للنقد الأجنبي مثل الصناعة والتكنولوجيا والخدمات الموجهة للتصدير.
يحتضنها مقر بورصة تونس غداً: تظاهرة اقتصادية لبحث الإمكانيات المالية لتونس والمنتجات المبتكرة
الصحافة اليوم-خالصة حمروني: تحت عنوان االإمكانيات المالية لتونس: المنتجا…

