2026-05-07

التضخم يستقر نسبيا فوق 5 % منحى تضخمي متوازن خلال الأربعة أشهر من 2026.. لكنه يتطلب الحذر

سجل مؤشر التضخم في تونس خلال الأشهر الأولى من سنة 2026 مساراً يتّسم بالاستقرار النسبي، حيث تحرك بين 4.8% و5.5% خلال الفترة الممتدة من جانفي إلى أفريل. الأمر الذي يؤكد أن أن الاقتصاد التونسي لم يشهد تراجعاً حقيقياً في نسق ارتفاع الأسعار، بل دخل في مرحلة توازن «نسبي» لمؤشر التضخم.

و بلغ التضخم في بداية السنة مستوى 4.8%، وهو ما أعطى انطباعاً أولياً بإمكانية دخول الأسعار في مسار تراجعي تدريجي، خاصة مع استقرار نسق بعض المواد الأساسية. غير أن هذا التوجه لم يدم طويلاً، إذ عاد المؤشر إلى حدود 5% خلال شهري فيفري ومارس، قبل أن يرتفع مجدداً إلى 5.5% في أفريل، وهو ما يبيّن أن ضغوط التضخم ما تزال حاضرة، وأن الجهود المبذولة لم تنجح بعد في كسر هذا المسار التصاعدي بشكل نهائي.

ووفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء، يُفسَّر هذا الوضع أساساً بتركيبة التضخم في حد ذاتها، حيث تظل المواد الغذائية العامل الأكثر تأثيراً في تحديد مستوى الأسعار. فقد شهدت هذه المجموعة ارتفاعاً واضحاً خلال أفريل 2026 بلغ 8.2%، مدفوعاً بزيادة أسعار الغلال الطازجة واللحوم والخضر. ويُعد هذا النوع من التضخم الأكثر حساسية، لأنه يرتبط مباشرة بالاستهلاك اليومي للأسر، ما يجعله ينعكس فوراً على القدرة الشرائية، خصوصاً لدى الفئات المتوسطة والضعيفة.

إلى جانب الغذاء، ساهمت الملابس والأحذية في دفع الأسعار نحو الأعلى، مع تسجيل ارتفاع يقارب 9.3%، وهو ارتفاع يرتبط جزئياً بعوامل موسمية مثل انتهاء التخفيضات الشتوية. كما سجل قطاع الخدمات ارتفاعاً في حدود 4.2%، مدفوعاً أساساً بزيادة أسعار النزل والخدمات المرتبطة بالنشاط السياحي الذي بدأت حركيته تظهر للعيان.

وبما أن التضخم يُعد مؤشراً محورياً، فإن تأثيره على الاقتصاد الوطني يتزايد كلما استمر في هذا الارتفاع . فاستمرار التضخم فوق 5% خلال الأشهر الأولى من 2026 ينعكس مباشرة على تراجع القدرة الشرائية للأسر، حيث تصبح نفس المداخيل أقل قدرة على تغطية الاحتياجات الأساسية. وهذا الوضع يؤدي إلى ضعف الاستهلاك الداخلي، وهو عنصر أساسي في الدورة الاقتصادية التونسية، ما ينعكس بدوره على أداء المؤسسات من حيث المبيعات والاستثمار.

كما يؤثر هذا المستوى على السياسة الاقتصادية والنقدية، إذ تجد الجهات المعنية نفسها أمام معادلة دقيقة، بين كبح ارتفاع الأسعار من جهة، وعدم إضعاف النمو الاقتصادي من جهة أخرى. كما أن تشديد الرقابة على السياسة النقدية والتصرف فيها قد يساهم في الحد من التضخم، لكنه في المقابل قد يؤثر على الاستثمار والتمويل.

إلى جانب ذلك، يؤثر التضخم أيضاً على التوازنات الخارجية، خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد التونسي على توريد العديد من المواد الأساسية. فارتفاع الأسعار العالمية أو تقلب سعر الصرف ينعكس بسرعة على السوق المحلية، ما يجعل التضخم في تونس مرتبطاً بعوامل داخلية وخارجية في آن واحد.

ورغم أن مسار التضخم خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026 يعكس حالة استقرار أكثر من تحسن فعلي، فإن هدف تونس لكبح نسبة التضخم في حدود 5.3% موفى سنة 2026 يظل قابلاً للتحقيق، لكنه مشروط بعدة عوامل مترابطة، بحكم أن التضخم لا يتحكم فيه عامل واحد بل منظومة متكاملة من المؤثرات.

ويأتي في مقدمة هذه العوامل التحكم في أسعار المواد الغذائية، باعتبارها المكوّن الأكثر تأثيراً في مؤشر الأسعار. فاستقرار التضخم يمرّ بالضرورة عبر تحسين الإنتاج الفلاحي، خاصة في الخضر والغلال واللحوم، إضافة إلى تقليص تقلبات العرض الناتجة عن العوامل المناخية أو اضطرابات التوزيع. وكل تحسن في هذا القطاع ينعكس مباشرة على الأسعار، لأن الغذاء يمثل الجزء الأكبر من إنفاق الأسر.

أما العنصر الثاني فيتعلق بسعر الصرف وكلفة الواردات، حيث يعتمد جزء كبير من المواد الاستهلاكية والمواد الأولية على الاستيراد. لذلك فإن أي تذبذب في قيمة الدينار أو ارتفاع في الأسعار العالمية ينعكس سريعاً على السوق المحلية. ويظل الحفاظ على استقرار نسبي للعملة عاملاً أساسياً في الحد من انتقال التضخم المستورد، مع ضرورة التوازن في السياسة النقدية.

كما تلعب السياسة النقدية دوراً محورياً من خلال التحكم في السيولة ومعدلات الفائدة. فكلما تم ضبط السيولة في السوق، تراجعت الضغوط على الطلب الداخلي، ما يساهم في تخفيف ارتفاع الأسعار. غير أن هذا الخيار يظل دقيقاً، لأنه قد يؤثر على الاستثمار والنمو إذا تم تشديده بشكل مفرط.

كما يمثل تعزيز الإنتاج المحلي أحد أهم الحلول الهيكلية على المدى المتوسط، لأنه يقلل من الاعتماد على الاستيراد ويزيد من قدرة السوق على التكيف مع الطلب الداخلي، ما يجعل التضخم أقل ارتباطاً بالصدمات الخارجية.

وعموما يمكن القول إن استقرار التضخم في حدود 5.3% خلال سنة 2026 يبقى هدفاً واقعياً، لكنه قابل للتحقيق بشروط . فنجاحه يعتمد على قدرة الاقتصاد التونسي على التحكم في أسعار الغذاء، وضبط الواردات، وتحسين الإنتاج والتوزيع، مع الحفاظ على توازن دقيق بين السياسات النقدية والاقتصادية. بمعنى آخر، استقرار الأسعار ليس نتيجة إجراء واحد، بل نتيجة منظومة اقتصادية متكاملة تتحرك في الاتجاه نفسه.

‫شاهد أيضًا‬

سعر برميل النفط قد يتجاوز 130 دولار تونس أمام مرحلة اقتصادية تتطلب مزيدا من المرونة والتكيّف

عادت أسعار النفط إلى واجهة الاهتمام العالمي مع تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط، في وق…