رحيل أحد أعمدة البحث التاريخي في تونس خليفة شاطر… مؤرّخ الذاكرة التونسية ووجه الجامعة الهادئ
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
فقدت الجامعة التونسية والوسط الثقافي والفكري يوم 13 ماي 2026 أحد أبرز أعلام البحث التاريخي الحديث والمعاصر بوفاة المؤرّخ والأكاديمي التونسي خليفة شاطر عن تسعين سنة، بعد مسيرة طويلة امتدّت على عقود من التدريس والبحث والتأليف والإدارة الثقافية. وبرحيله تخسر كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس واحدا من أبرز أساتذتها الذين ساهموا في تكوين أجيال متعاقبة من الباحثين والطلبة، ورسّخوا تقاليد صارمة في البحث التاريخي تقوم على الدقّة العلمية والانفتاح على المناهج الحديثة.
ولد الراحل بمدينة المنستير يوم 12 ماي 1936، في فترة كانت تونس فيها تعيش تحوّلات سياسية واجتماعية عميقة ستصبح لاحقا جزءا من اهتماماته البحثية الكبرى. وقد اختار منذ سنواته الأولى أن يجعل من التاريخ مجالا للتفكير في مصير البلاد وتحولاتها، فارتبط اسمه مبكرا بتاريخ الإصلاحات التونسية وأسئلة التحديث والعلاقة المعقّدة بين الداخل المحلي والضغوط الخارجية.
أكاديمي جمع بين الصرامة العلمية والانفتاح الفكري
تميّز مسار خليفة شاطر الجامعي بعمق تكوينه الأكاديمي، إذ تحصّل على دكتوراه المرحلة الثالثة من جامعة السربون سنة 1974، قبل أن ينال دكتوراه الدولة سنة 1981 من الجامعة نفسها، وهي مرحلة كانت تشهد صعود تيارات جديدة في الكتابة التاريخية الفرنسية وتأثير مدرسة الحوليات ومناهج التاريخ الاجتماعي والاقتصادي. وقد بدا أثر هذا التكوين واضحا في أعماله التي تجاوزت السرد التقليدي للأحداث نحو تحليل البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية العميقة.
كما نال سنة 1996 الدكتوراه الفخرية من جامعة مونبليي بفرنسا، ثم جائزة الآداب والعلوم الإنسانية بتونس سنة 1997، وهي تتويجات عكست المكانة التي بلغها داخل الأوساط الأكاديمية التونسية والعربية والدولية.
ومنذ سنة 1972، تولّى التدريس بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس في اختصاص التاريخ الحديث والمعاصر، حيث عُرف بأسلوبه الهادئ وصرامته العلمية وتشجيعه الدائم لطلبته على العودة إلى الوثيقة التاريخية وربط الوقائع بسياقاتها الفكرية والاجتماعية. وقد ظلّ اسمه مرتبطا بقسم التاريخ باعتباره واحدا من الأساتذة الذين ساهموا في تحديث مناهج البحث وإعطاء الدراسات التاريخية أفقا نقديا جديدا.
مؤلفات أعادت قراءة القرن التاسع عشر التونسي
ارتبط اسم خليفة شاطر خصوصا بإعادة قراءة تاريخ تونس في القرن التاسع عشر، وهي فترة اعتبرها مفتاحا لفهم تشكّل الدولة الحديثة وأزمات التبعية والإصلاح. وفي هذا السياق، يُعدّ كتابه االتبعية والتحولات ما قبل الاستعمار بتونس (1815 ـ 1857)ب من أبرز الأعمال المرجعية التي تناولت التحولات الاقتصادية والسياسية التي سبقت فرض الحماية الفرنسية، حيث كشف من خلاله طبيعة الاختلالات التي عرفها المجتمع التونسي وعلاقته المتزايدة بالهيمنة الأوروبية.
أما كتابه االثورة والقمع بتونس في القرن التاسع عشرب فقد مثّل مساهمة مهمّة في دراسة أشكال المقاومة الاجتماعية والسياسية وآليات السلطة في مواجهة التحركات الشعبية، مقدّما قراءة تتجاوز التفسير الاختزالي للأحداث نحو فهم البنية العميقة للصراع الاجتماعي والسياسي في تلك المرحلة.
ولم يقتصر اهتمامه على التاريخ السياسي، بل امتدّ أيضا إلى المؤسسات الدينية والثقافية، من ذلك مساهمته حول اجامع الزيتونةب ضمن دائرة المعارف الإسلامية سنة 2002، حيث قدّم قراءة معرفية لمكانة هذا الصرح العلمي ودوره في تشكيل الحياة الفكرية والدينية بتونس.
وقد اعتبر عدد من الباحثين أن قيمة أعمال خليفة شاطر لا تكمن فقط في المعلومات التي وفّرتها، بل أيضا في المنهج الذي اعتمدته، إذ جمع بين التحليل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وحرص على الاستناد إلى الوثائق والأرشيفات المحلية والأجنبية في مقاربة علمية دقيقة.
حضور ثقافي وإداري فاعل
لم يكن خليفة شاطر مجرّد أستاذ جامعي منعزل داخل قاعات الدرس، بل كان أيضا فاعلا ثقافيا وإداريا ساهم في تطوير عدد من المؤسسات الثقافية والعلمية التونسية. فقد تولّى سنة 1978 إدارة المركز الثقافي الدولي بالحمامات، ثم شغل منصب مدير المعهد الأعلى للتوثيق بين 1987 و1996، قبل أن يُعيّن مديرا عاما لدار الكتب الوطنية التونسية من 1997 إلى 2002.
وفي مختلف هذه المواقع، اشتغل على قضايا التوثيق وحفظ الذاكرة الوطنية وتطوير حضور الكتاب التونسي والبحث الأكاديمي، كما ترأّس لجنة استراتيجية الترجمة منذ سنة 2008 في محاولة لتعزيز الحضور الثقافي التونسي في المشهد العالمي وربط المعرفة التونسية بمحيطها الدولي.
وعلى المستوى الجمعياتي، كان من المؤسسين لجمعية الدراسات الدولية سنة 1980، حيث تولّى فيها مسؤوليات متعددة من الكاتب العام إلى نائب الرئيس ثم الرئيس، بما يعكس حضوره المستمر في النقاشات الفكرية والأكاديمية.
إرث معرفي يتجاوز الجامعة
وبرحيل خليفة شاطر، لا تفقد الجامعة التونسية أستاذا بارزا فحسب، بل تفقد أيضا نموذجا للمؤرخ الذي جمع بين المعرفة الأكاديمية والوعي الوطني والعمل الثقافي. فقد ظلّ طوال مسيرته منحازا إلى فكرة التاريخ باعتباره أداة لفهم المجتمع وتحولاته، لا مجرد سرد للماضي.
كما أن حضوره في الندوات والمؤتمرات العلمية ومساهماته في المجلات الأكاديمية جعلت منه اسما مؤثرا في الدراسات التاريخية العربية، خاصة في ما يتعلق بتاريخ الإصلاح والتحديث والعلاقة بين السلطة والمجتمع في تونس الحديثة.
وسيظلّ إرثه العلمي مرجعا أساسيا للباحثين والطلبة، لا فقط لما يحتويه من معطيات ووثائق، بل لما يحمله من رؤية نقدية عميقة للتاريخ التونسي وأسئلته الكبرى.
حضور متجدّد في الأقسام الموازية ورهــانـات جمـالـيـة عـن الـهـويـة والــمـنــفــى
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي رغم استمرار غياب الأفلام العربية عن المسابق…
