المخرج والمنظّر العالمي للمسرح”أوجينو باربا” في محاضرة بتونس عودة المسرح إلى ينابيع الأداء الأولى
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
في سياق ثقافي يتّسم بندرة اللقاءات الحيّة مع كبار منظّري المسرح العالمي، تكتسي زيارة المخرج والمنظّر الإيطالي “أوجينيو باربا”Eugenio Barba إلى تونس طابعًا استثنائيًا، لا بوصفها حدثًا عابرًا، بل باعتبارها لحظة مكثّفة لإعادة التفكير في جوهر الفعل المسرحي وأفقه المعاصر.
وتندرج هذه الزيارة ضمن مشاركته في المهرجان الدولي للمسرح في الصحراء بدوز، حيث يلتقي المسرح بفضائه البدئي، الصحراء، في تماهٍ رمزي مع مشروع باربا القائم على العودة إلى ينابيع الأداء الأولى.
ضمن هذا الإطار، يحتضن فضاء قاعة الأوبرا بمدينة الثقافة لقاءً فكريًا وفنيًا رفيع المستوى يتمثّل في محاضرةذماستر كلاس يؤثّثها باربا، وذلك يوم الثلاثاء 5 ماي 2026 من الساعة التاسعة صباحًا إلى منتصف النهار، بفضاء مسرح المبدعين الشبان بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي. وهي محاضرة مفتوحة للعموم، موجّهة إلى الطلبة والأساتذة والممارسين والهواة، في خطوة تعكس وعيًا مؤسساتيًا بأهمية نقل المعرفة وتداول الخبرات.
مكانة “باربا” في المسرح العالمي
ولا يمكن مقاربة تجربة “باربا” دون استحضار مكانته المفصلية في تاريخ المسرح المعاصر. فهو مؤسّس فرقة Odin Teatret سنة 1964، تلك التي تحوّلت سريعًا إلى مختبر عالمي للبحث المسرحي، قائم على التجريب الدائم وتفكيك أنماط الأداء التقليدية. كما أنّ مسيرته ارتبطت منذ بداياتها بتجربة المخرج البولندي “قروتوفسكي” Jerzy Grotowski، حيث تشرّب منه مفهوم زالمسرح الفقيرس الذي يعلي من شأن الجسد بوصفه أداة التعبير القصوى.
غير أنّ باربا لم يكتفِ بالامتداد داخل هذا الأفق، بل عمل على توسيعه عبر تأسيس المدرسة الدولية للأنثروبولوجيا المسرحية International School of Theatre Anthropology، وهي فضاء بحثي يعنى بدراسة القواسم المشتركة في تقنيات أداء الممثل عبر الثقافات. ومن هنا تتشكّل خصوصية مشروعه: مسرح عابر للحدود، يستلهم من طقوس آسيا، وذاكرة أمريكا اللاتينية، وتراث أوروبا، ليصوغ لغة هجينة، كثيفة، ومشحونة بالدلالات.
إنّ حضور باربا في تونس، ولقائه المباشر مع الطلبة والأساتذة، يتجاوز البعد البيداغوجي إلى رهانات أعمق. فالمسألة لا تتعلّق فقط بنقل تقنيات أو عرض تجارب، بل بفتح أفق نقدي يضع الممارسة المسرحية المحلية في مواجهة أسئلة كبرى: ما معنى أن نكون ممثلين اليوم؟ كيف يمكن للجسد أن يستعيد مركزيته في زمن الصورة؟ وأيّ مسرح نحتاجه في سياق عربي مأزوم ثقافيًا وسياسيًا؟
من هذا المنظور، تكتسب هذه المحاضرة أهميتها بوصفها فضاءً للحوار والتفكير الجماعي. ف”باربا”، الذي جعل من المسرح أداة للبحث في الذاكرة والهوية والمنفى، يقترح دائمًا مقاربة ترى في الخشبة مكانًا للعبور، لا للتمثيل فحسب. وهو ما يلتقي، بشكل أو بآخر، مع روح فضاء مدينة الثقافة التي تحتضن هذا اللقاء، باعتبارها فضاءً جامعًا للتجارب والتقاطعات.
دعوة المهرجان الدّولي للمسرح في الصحراء
ولعلّ تزامن هذه المحاضرة مع فعاليات مهرجان المسرح الصحراوي بدوز يمنحها بعدًا إضافيًا، حيث يتجاور المختبر النظري مع الفعل الفرْجوي في فضاء مفتوح، بما يعيد الاعتبار إلى فكرة المسرح كاحتفال جماعي وطقس إنساني أصيل.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى هذا الحدث إلا كفرصة نادرة للإنصات إلى أحد آخر كبار الحالمين بالمسرح، أولئك الذين لم يتخلّوا عن إيمانهم بقدرته على التغيير. وهي دعوة إلى التفكير، وربما إلى إعادة البدء.
ملتقى دولي في الحمامات تحت عنوان” الجهات والتراث الثقافي غير المادّي”: من أجل منح الجهات المكانة التي تستحقها في المشهد الثقافي
في لحظة ثقافية تتجدّد فيها أسئلة الهوية والذاكرة، وتتصاعد فيها الحاجة…
