2026-05-05

بين ضغط الامتحانات وهاجس النجاح: الدروس الخصوصية تعمّق المعاناة المادية للوليّ

مع اقتراب مواعيد الامتحانات الوطنية، وعلى رأسها امتحان الباكالوريا، تتصاعد وتيرة الإقبال على الدروس الخصوصية بشكل لافت، حتى أصبحت هذه الظاهرة جزءًا شبه ثابت من المشهد التربوي في تونس.

غير أن ما يلفت الانتباه هذا العام ليس فقط حجم الإقبال، بل أيضًا الارتفاع غير المسبوق في أسعار الحصص، حيث تتراوح في بعض الحالات بين 100 و150 دينار للحصة الواحدة، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول قدرة العائلات التونسية على مجاراة هذه التكاليف، في ظل وضع اقتصادي دقيق وتآكل واضح للقدرة الشرائية.

في حديث مع بعض الأولياء، يتبين أن الدروس الخصوصية لم تعد خيارًا تكميليًا كما كانت في السابق، بل تحولت إلى «ضرورة مفروضة» لضمان حظوظ أوفر في النجاح، خاصة في الشعب العلمية. هذا التحول جعل العديد من الأسر تدخل في سباق محموم لتأمين هذه الدروس لأبنائها، حتى وإن كان ذلك على حساب توازنها المالي.

بعض الأولياء تحدثوا عن اضطرارهم للاستدانة أو التخلي عن مصاريف أساسية لتغطية تكاليف الدروس، في مشهد يعكس حجم الضغط الاجتماعي والنفسي الذي تعيشه العائلة التونسية في نهاية السنة الدراسية.

في المقابل، يبرر بعض الأساتذة هذا الارتفاع في الأسعار بعوامل متعددة، من بينها ارتفاع كلفة المعيشة، وتزايد الطلب، وضيق الوقت المتبقي قبل الامتحانات. غير أن هذا التبرير لا يحجب حقيقة غياب تطبيق الإطار التنظيمي الواضح والذي يؤطر هذه الممارسة، حيث تعمل الدروس الخصوصية في كثير من الأحيان خارج أي رقابة فعلية، سواء من حيث التسعيرة أو جودة التأطير وهوما يفتح الباب أمام تفاوت كبير في الأسعار بين جهة وأخرى، بل وحتى داخل نفس المدينة.

غياب التنظيم لا يقتصر فقط على الجانب المالي، بل يشمل أيضًا البعد البيداغوجي. فالدروس الخصوصية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن المدرسة العمومية، التي يفترض أن تظل الفضاء الأساسي للتعلم. غير أن تراجع نسق التدارك داخل المؤسسات التربوية، مقارنة بما كان معمولاً به في السابق، ساهم في دفع التلاميذ نحو الفضاءات الخاصة. فقد كانت المعاهد الثانوية تنظم حصص دعم وتدارك بأسعار رمزية وتحت إشراف مباشر، وهو ما كان يضمن حدًا أدنى من تكافؤ الفرص بين التلاميذ.

اليوم، ومع تراجع هذه المبادرات داخل المؤسسات العمومية، أصبح التلميذ رهين إمكانياته المادية. وهنا يبرز الخطر الحقيقي: تكريس الفوارق الاجتماعية داخل المنظومة التربوية، حيث يتمتع أبناء العائلات الميسورة بفرص دعم إضافية، في حين يجد الآخرون أنفسهم في موقع أضعف.

ورغم هذا المشهد القاتم الذي لا ينكره الولي والأستاذ ، لا تخلو الساحة التربوية من نماذج مضيئة تستحق التنويه. فقد بادر بعض الأساتذة، في عدد من الجهات، إلى تنظيم حصص تدارك بأسعار رمزية، بل إن البعض منهم يقدم دروسًا مجانية لفائدة تلاميذه، في مبادرات تعكس روح المسؤولية والالتزام الأخلاقي بالمهنة. هذه النماذج تؤكد أن الحل لا يكمن فقط في الرقابة، بل أيضًا في استعادة البعد الإنساني للعمل التربوي وهي مبادرات تلقى استحسانا كبيرا وانتشارا واسعا في وسائل التواصل الاجتماعي.

أمام هذه الوضعية، يطرح بإلحاح دور وزارة التربية في إعادة تنظيم  وإحكام هذا القطاع، سواء عبر إعادة تقنين وتحيين القوانين المنظمة لإجراء الدروس الخصوصية أو عبر إحياء حصص التدارك داخل المؤسسات التربوية بشكل منظم ومراقب. كما أن تعزيز الثقة في المدرسة العمومية يظل عنصرًا أساسيًا للحد من هذا النزيف المالي الذي تعاني منه الأسر.

وفي التطرق لهذا الموضوع لابد من النظر في ابعاده الانسانية والمجتمعية والمادية في آن واحد سواء من خلال تحسين الظروف المادية للمربي أو كذلك نشر ثقافة المساواة في تلقي العلوم والمعارف حتى  لا تبقى الدروس الخصوصية سلاحًا ذا حدين: فهي من جهة تساعد التلميذ على تحسين مستواه، لكنها من جهة أخرى تثقل كاهل العائلة وتعمّق الفوارق الاجتماعية.

‫شاهد أيضًا‬

زيارات رسمية لمستودعات الحجز: ممتلكات متضرّرة والمواطن ينتظر انفراج القوانين

تشهد مستودعات الحجز البلدي في العديد من ولايات الجمهورية خلال الفترة الأخيرة حركية لافتة، …