بين معاناة الفلاح وهيمنة السماسرة: البيع بالميزان وترقيم الأضاحي حلول لكبح المضاربة
الصحافة اليوم:مصباح الجدي
مع اقتراب عيد الأضحى، تتكرر في تونس نفس المشاهد التي باتت مألوفة لدى العائلات: بحث محموم عن أضحية بسعر امعقولب، وقلق متزايد من موجة غلاء لا يبدو أن لها سقفًا. في الأسواق الأسبوعية ونقاط بيع المواشي، ترتفع الأسعار بشكل لافت، ما يضع شريحة واسعة من المواطنين أمام معادلة صعبة بين المحافظة على شعيرة دينية راسخة والقدرة الشرائية التي تآكلت بفعل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
اللافت في هذه المعادلة أن الفلاح، وهو الحلقة الأولى في سلسلة الإنتاج، لا يبدو المستفيد الأكبر من هذا الارتفاع. بل على العكس، يؤكد العديد من المربين أن هامش الربح الذي يتحصلون عليه يظل محدودًا، بل أحيانًا لا يغطي المصاريف المتزايدة التي يتحملونها طوال السنة، من أعلاف وأدوية بيطرية ومصاريف رعاية. هذا الواقع يطرح أكثر من علامة استفهام حول مسار الأسعار بين الضيعة والسوق، ومن يتحكم فعليًا في تحديدها.
في المقابل، تشير أصابع الاتهام إلى السماسرة والوسطاء الذين يلعبون دورًا محوريًا في تضخيم الأسعار. فبمجرد خروج الأضحية من عند الفلاح، تدخل في مسار معقد من التداول، حيث تتعدد حلقات البيع والشراء، وترتفع الأسعار تدريجيًا دون مبررات واضحة. هذا المسار يجعل المستهلك في النهاية يدفع ثمنًا مضاعفًا، في حين يبقى المنتج الأصلي خارج دائرة الأرباح الحقيقية.
الاختلال في منظومة التسعير يفتح الباب أمام ممارسات غير شفافة، من بينها المضاربة واحتكار بعض الكميات بهدف التحكم في السوق، وهو ما يزيد من حدة الأزمة كلما اقترب موعد العيد. كما يخلق ذلك نوعًا من فقدان الثقة بين المواطن والسوق، حيث يشعر الكثيرون أنهم عرضة للاستغلال في مناسبة دينية يفترض أن تقوم على التكافل والتراحم.
أمام هذا الوضع، تبرز الحاجة إلى تدخل فعلي وناجع من قبل الدولة لتنظيم السوق وإعادة التوازن بين مختلف المتدخلين. ومن بين الحلول المطروحة، تكثيف فرق المراقبة داخل أسواق المواشي، ليس فقط لمتابعة الأسعار، بل أيضًا للتثبت من مسالك التوزيع وظروف البيع. ذلك أنّ وجود رقابة ميدانية صارمة يمكن أن يحد من التجاوزات ويبعث برسائل واضحة إلى كل من يحاول استغلال الظرف.
كما تطرح فكرة ترقيم الأضاحي كآلية مبتكرة لتعقب مسارها منذ خروجها من عند الفلاح وصولًا إلى المستهلك. هذه المنظومة، التي تم اعتمادها في بعض البلدان العربية وأثبتت جدواها، تسمح بتحديد سلسلة الأسعار بدقة، وتكشف الفارق بين سعر الإنتاج وسعر البيع النهائي. مثل هذا الإجراء من شأنه أن يعزز الشفافية ويحد من التلاعب، إضافة إلى تمكين المستهلك من معرفة القيمة الحقيقية لما يشتريه.
ومن بين المقترحات التي تلقى صدى متزايدًا، تعميم تجربة البيع بالميزان في مختلف أسواق المواشي.وهي الطريقة، التي تقوم على تحديد سعر الكيلوغرام بشكل مسبق من قبل الجهات المختصة، وتضع حدًا للتقديرات العشوائية وتقلل من هامش التلاعب. كما تمنح المواطن معيارًا واضحًا يمكّنه من مقارنة الأسعار واتخاذ قرار الشراء بشكل أكثر وعيًا.
كما تتطلب المرحلة تعاون مختلف الأطراف، من فلاحين وتجار وسلطات محلية. إذ أن تنظيم سوق الأضاحي لا يقتصر على إجراءات ظرفية مرتبطة بموسم العيد، بل يتطلب رؤية شاملة لإصلاح منظومة الإنتاج.
بين ضغط الامتحانات وهاجس النجاح: الدروس الخصوصية تعمّق المعاناة المادية للوليّ
مع اقتراب مواعيد الامتحانات الوطنية، وعلى رأسها امتحان الباكالوريا، تتصاعد وتيرة الإقبال ع…
