2026-04-28

ميناء جرجيس يدخل الخدمة الدولية: خطّ تجاري منتظم يعيد رسم خريطة التصدير في تونس

شهد ميناء جرجيس صباح أول أمس الأحد 26 أفريل 2026 حدثًا مميزا في مسار تطوير البنية التحتية اللوجستية في تونس، مع رسو أول سفينة حاويات إيذانًا بانطلاق أول خط بحري دولي منتظم لنقل البضائع. هذا الخط الجديد لا يقتصر على ربط جرجيس بميناء رادس فحسب، بل يمتد ليشمل موانئ استراتيجية في البحر الأبيض المتوسط، على غرار ميناء “جيويا تاورو” الإيطالي وميناء طرابلس الليبي، وهو ما يمنح هذا المشروع بعدًا إقليميًا واضحًا.

بداية النشاط كانت باستقبال 407 حاوية فارغة، سيتم توزيعها على الحرفاء تمهيدًا لإعادة شحنها في اتجاه الأسواق الخارجية قبل منتصف شهر ماي المقبل. هذا الرقم، وإن بدا تقنيًا في ظاهره، يعكس في جوهره مؤشرات أولية على حركية اقتصادية منتظرة، خاصة في ظل تعطش المؤسسات المنتصبة بالجنوب الشرقي إلى منافذ تصدير أكثر نجاعة وأقل كلفة.

ويأتي هذا التطور استجابة مباشرة لمطالب متكررة من قبل الفاعلين الاقتصاديين في الجهة، الذين لطالما اشتكوا من مركزية النشاط المينائي في الشمال، وما يترتب عن ذلك من ارتفاع في كلفة النقل وطول آجال العبور. ومن هذا المنطلق، يمثل تشغيل هذا الخط البحري خطوة عملية نحو تحقيق قدر من التوازن الجهوي، عبر تقريب الخدمات اللوجستية من مناطق الإنتاج.

الأهمية الاقتصادية لهذا المشروع لا تتوقف عند حدود التصدير فقط، بل تمتد لتشمل تحفيز الاستثمار، حيث يُنتظر أن يساهم توفر خط بحري منتظم في استقطاب مشاريع جديدة، خصوصًا في القطاعات الموجهة للتصدير مثل الصناعات الغذائية والمنتجات الفلاحية. كما أن تقليص كلفة النقل سيمنح المؤسسات المحلية قدرة تنافسية أفضل في الأسواق الخارجية.

ولم يكن إطلاق هذا الخط ممكنًا لولا توفير جملة من التجهيزات والمعدات الضرورية لتأمين عمليات الشحن والتفريغ ومناولة الحاويات، في إطار تنسيق بين مختلف الهياكل المتدخلة في النشاط المينائي. هذا الجانب التقني، رغم كونه غير مرئي للعموم، يعد عنصرًا حاسمًا في ضمان استمرارية الخط وانتظامه.

في سياق متصل، لا تخفي الجهات المشرفة على الميناء طموحها في تطوير قدراته الاستيعابية، حيث يجري حاليًا الإعداد لإطلاق مشروع أشغال الجهر مع نهاية السنة الجارية. ويهدف هذا المشروع إلى تعميق الغاطس المائي ليصل إلى 11 مترًا، بما يسمح باستقبال سفن أكبر حجمًا، سواء في إطار النشاط التجاري أو حتى السياحي، وهو ما يفتح آفاقًا إضافية أمام الميناء لتنويع خدماته.

كما تلعب الشركة التونسية للشحن والترصيف دورًا محوريًا في هذا التحول، من خلال مواصلة تحديث تجهيزاتها وتطوير أساليب الاستغلال داخل الموانئ. ويأتي ذلك ضمن برنامج استثماري متواصل يسعى إلى مواكبة التطورات المتسارعة في قطاع النقل البحري، الذي يشهد منافسة إقليمية متزايدة.

هذا التطور من شأنه أن يضمن استدامة الخط البحري الجديد، واستقطاب حجم كافٍ من الحاويات لضمان جدواه الاقتصادية. كما أن نجاح التجربة يبين قدرة مختلف المتدخلين على العمل في إطار تكاملي، بعيدًا عن التعقيدات الإدارية التي غالبًا ما تعطل مثل هذه المبادرات.

إن دخول ميناء جرجيس إلى شبكة الخطوط البحرية الدولية المنتظمة  يعدّ خطوة جريئة في اتجاه إعادة توزيع النشاط الاقتصادي داخل البلاد، وتقليص الفوارق بين الجهات. وإذا ما تم استثمار هذا المكسب بشكل جيد، فقد يتحول الميناء إلى منصة لوجستية واعدة، تعيد رسم ملامح التنمية في الجنوب الشرقي، وتمنح تونس نافذة إضافية على الأسواق المتوسطية.

‫شاهد أيضًا‬

بين ضغط العادات وغلاء الأضاحي: التّداين من أجل الظفر بأضحية العيد

مع اقتراب عيد الأضحى تعود إلى الواجهة في تونس ظاهرة باتت شبه راسخة في السلوك الاجتماعي، تت…